فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 122

وعن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان قال:"يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره أن ينقص من أجره شيء"، قالوا يا رسول الله: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غناء بكم عنهما: فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة" [رواه ابن خزيمة في صحيحه ثم قال صح الخبر ورواه من طريق البيهقي ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب باختصار عنهما] .

جاء شهر رمضان بالبركات ... فأكرم به من زائر آت

شهر رمضان شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن وشهر العتق من النيران، وشهر الغفران، شهر الصدقات والإحسان، الشهر الذي تقال فيه العثرات وتجاب فيه الدعوات، وتُرفع فيه الدرجات ويزاد في الحسنات وتغفر فيه السيئات.

ويا خسارة من خرج رمضان ولم يستزد فيه من الصالحات، ويا ندامة من خرج رمضان ولم يتمسك فيه من الدين بالعروة الوثقى، ويا لهفًا على من خرج رمضان وحاله كما هي قبل رمضان، من ذنوب وعصيان.

شهر رمضان شهر يجود الله فيه سبحانه على عباده بأنواع العبادات والكرامات، ويُجزل الله سبحانه فيه لأوليائه العطايا، ويعفو فيه عن الرزايا.

فينبغي على المسلمين تعظيمه بالنية الصالحة والاجتهاد في حفظ الصيام والقيام والمسابقة إلى الخيرات، والمسارعة إلى الطاعات، ليفوز المسلم بالكرامة والأجر العظيم من رب الأرض والسموات.

وينبغي على المؤمن أن يحفظ صومه من الأوزار والآثام، حتى يحفظ صومه من كل شائبة.

وممّا يجب على المؤمن في شهر رمضان وغيره وفي رمضان آكد، أن يحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والوقيعة في أعراض المسلمين، لأن ذلك مُذهب لأجر الصيام ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله. قال صلى الله عليه وسلم:"من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كَفّرَ ما قبله" [رواه الإمام أحمد] . وقبل ذلك قال الله تعالى في تحريم الغيبة والنميمة:"ولا يغتب بعضكم بعضًا أيُحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه"، وقال صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة نمّام" [متفق عليه] .

وقال صلى الله عليه وسلم"ما صام من ظلّ يأكل لحوم الناس" [رواه ابن شيبة 2/ 273] . وفي مسند الإمام أحمد بسند ضعيف: أن امرأتين صامتا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكادتا تموتا من العطش، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنهما، ثم ذُكرتا له، فدعاهما، فأمرهما أن تتقيئا، فقاءتا ملء قدح، قيحًا ودمًا وصديدًا، ولحمًا عبيطًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس" [وظائف شهر رمضان 22] .

وقال جابر بن عبدالله رضي الله عنه:"إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء" [رواه ابن شيبة 2/ 272] .

هكذا ينبغي للمسلم أن يستقبل شهر رمضان وينبغي له أن يكون فيه.

فهي مواسم قد لا تتكرر وقد لا يُدركها الإنسان كل عام، فينبغي أن يغتنمها ويستثمرها في الطاعة.

وليس معنى الصيام أن الإنسان يبقى طوال اليوم عابس الوجه، ضيق الخلق، عنيف التعامل، شديد الطباع، قاسي الكلام، غليظ القلب، بل الصيام يعلم حسن الخلق، وحسن التصرف مع الناس، وبشاشة الوجه، وطلاقة المحيا، لأن الصيام يضيق مجاري الشيطان من ابن آدم، فيكون الصائم طيب الكلام، يتحمل ما يأتيه من شتائم وسباب، وإذا شتم أو تعرض للسب، فعليه أن يرد بقوله:"إني امرؤ صائم"أو:"إني صائم". ويجب على الصائم أن يقدر شعور الآخرين، ويحترم جميع الصائمين وغير الصائمين، ويعاملهم بحسن الخلق والأدب الجم، فهو في شهر التعود والصبر والمصابرة على فعل الخيرات

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت