فهرس الكتاب
وما نراه اليوم من تهافت الناس على البقالات، ومحلات الأدوات المنزلية لشراء الأطعمة والأشربة، والأواني، ما هو إلا نتيجة لعدم فهم نصوص الشريعة، وعدم فهم لما من أجله شرع صيام شهر رمضان، فالله تبارك وتعالى بين للمسلمين ذلك بيانًا واضحًا لا يخفى حكمه على أحد إلا ممن ترك العمل بكتاب الله، وهجر قراءته، وابتعد عن تدبره، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"إن الغاية التي من أجلها شرع الله تبارك وتعالى صيام شهر رمضان هي التقوى، لأن الصيام عمل بين العبد وربه، فمن الناس من يفطر حقيقة بالأكل والشرب وسائر المفطرات إذا خلا بنفسه، ومن الناس من يفطر مجازًا لا حقيقة فتراه يأكل لحوم البشر بلسانه، ومن الناس من يجرح صومه بمشاهدة ما حرم الله أو سماع الحرام من أغان وموسيقى وغيبة ونميمة، فسماع ذلك كم فعله، إن التقوى جماع الإيمان، ولقد أمر الله عباده بها، وحثهم عليها، لأنها سبيل إلى الجنة، فكم هم المتقون اليوم، لقد فهم الناس اليوم الصوم فهمًا خاطئًا حتى زلت الأقدام عن حقيقة الصوم، فنكست الطباع، وغيرت الأوضاع، وأصبح الناس في ضياع، عندما اختلت موازين فهم صيام شهر رمضان، تدفق الناس
جماعات وفرادى إلى الأسواق، وتنقبت النساء في الأسواق وأثناء الخروج إلى المساجد، وغصت الأسواق والمحلات التجارية بالمسلمين، وكأنهم في شهر الأكل والشرب، بل وكأنهم قادمون على شهر مجاعة، وكثر الخصام، وزاد الجدال، وانعدم الوئام، كل ذلك بسبب الفهم الخاطئ لما شرع له شهر رمضان، فلا بد من فهم صائب، وتصحيح للمفاهيم، فليس شهر رمضان شهر أكل وشرب وسهر ونوم ولهو، ومشاهدة للفضائيات، وإكثار من شرب الدخان، بل هو أعظم من ذلك بكثير، فهو شهر صبر وترويض للنفس البشرية وكبح لجماحها، وكسر لشهواتها، وكبت لملذاتها، شهر رمضان شهر أنزل الله فيه القرآن، فهو شهر تلاوة القرآن، فينبغي على العبد أن يستزيد فيه من الطاعات، والإكثار من الحسنات بتلاوة كتاب الله العزيز آناء الليل والنهار، فعلى المسلم الصادق الذي عرف الغاية من شهر رمضان أن يُكثر فيه من ختم كتاب الله تعالى، وعليه أن يحرم ما حرم الله ورسوله من مشاهدة النساء عبر الشاشات، أو سماع المحرمات، وكذلك المرأة المسلمة ينبغي أن توزع أوقاتها، فلا تقضيها بين أربعة جدران حبيسة المطبخ، لتتفنن في أنواع الطهي والطعام، ثم بعد ذلك تخلد للراحة ومشاهدة المسلسلات، ثم تعود لتزاول مهنة الطهي للسحور، هذا فهم قبيح لشهر الصوم، فالمرأة العاقلة هي التي تعرف كيف تجعل من شهر رمضان شهر عبادة وتقوى وطاعة للمولى جل وعلا، فتوزع الأوقات ما بين إعداد لطعام الإفطار وليكن ذلك في وقت مبكر، ثم تقرأ كتاب ربها، أو تستمع للأشرطة والمواعظ، وتجلس مع رب الأسرة والأولاد لدراسة بعض أحكام الصيام، من الكتب التي تعني بذلك، كفتاوى هيئة كبار العلماء، ومختصر الوظائف للشيخ / عبدالرحمن بن قاسم، وغيرها من الكتب المفيدة، وعلى المسلمة أن تحذر في هذا الشهر من القيل والقال، وكثرة الزيارات التي لا فائدة فيها، ولا طائل منها.
رمضان وصلة الأرحام:
على المسلم أن يحرص في هذا الشهر الكريم أن يبرّ والديه وأن يصل رحمه، فهذا هو موسم الصفاء والإخاء، ونبذ البغضاء وترك الشحناء، فالقطيعة بين عموم المسلمين محرمة، وبين الأقارب والأرحام والجيران أشد حرمة، قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} [محمد 22] ، وقال الله تعالى: {إنما المؤنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات 10] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"من أحب أن يبسط له في رزقه ـ أي يوسع له ويبارك له فيه ـ وينسأ له في أثره ـ أي يؤخر له في عمره ويزاد له فيه ـ فليصل رحمه" [متفق عليه] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" [متفق عليه] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار" [رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري] ، وقال صلى الله عليه وسلم:"من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه" [رواه أبو داود بإسناد صحيح] ، فهذا تشبيه بليغ منه صلى الله عليه وسلم للمتهاجرين والمتقاطعين والمتباغضين، بأن جرمهم هذا من أعظم الجرم، وأكبر الذنب، فهو كقتل النفس البريئة، وهذا من اكبر الكبائر، وأعظم العظائم، فكذلك الهجران كبيرة وعظيمة، وقال صلى الله عليه وسلم:"تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرءًا بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا" [رواه مسلم] ، فاتقوا لله عباد الله وأصلحوا ذات بينكم، وصلوا أرحامكم، وتجاوزوا عن زلات غيركم يرضى عنكم مولاكم، وتدخلوا جنة ربكم.