فهرس الكتاب
فرمضان فرصة عظيمة لتسوية الخلافات، والبعد عن الخصومات، وخير الناس الذي يبدأ صاحبه بالتهنئة فيه، ويريه أن قلبه صافيًا خاليًا مما يشوبه ويعيبه.
رمضان شهر الجود والإحسان:
لقد أضلكم شهر الجود والخير والصدقة والإنفاق، فلكم في نبيكم صلى الله عليه وسلم خير المثل، وأحسن القدوة، وخير الأسوة، فلقد كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فهاهو رمضان يطل عليكم بعد غيبة عام كامل، ووالله لا يدري الإنسان هل يدركه كله أم يتركه كله، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فالصدقة فيه مضاعفة، والإنفاق فيه هو يخلفه، وإياكم والشح والبخل، فإنه أهلك من كان قبلكم، فالبخيل بعيد عن الله، بعيد عن الجنان، قرين للشيطان، قريب من النيران، فعلى المسلم أن يتعاهد إخوانه الفقراء والمحتاجين والمنكسرين، والأرامل والأيتام والمعوزين، وأن يسخر أمواله لخدمة دينه العظيم، محتسبًا بذلك الأجر عند من لا يضيع أجر المحسنين. فهنيئًا لمن بذلوا أموالهم في سبيل الله، وتاجروا مع الله التجارة الرابحة التي لن تبور وليبشروا بما بشرهم الله به من الآيات الدالة على فضل البذل في سبيل الله وفضل المنفقين، قال تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم} [البقرة 261] ، وقال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة} [البقرة 245] ، وقال تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [البقرة 274] ، وقال تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم} [آل عمران 92] ، وقال تعالى: {الذين ينفقون في السراء والضراء. . . إلى أن قال الله تعالى: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} [آل عمران 134 - 136] ، وقال تعالى: {وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ 39] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنفق يا ابن آدم يُنفق عليك" [متفق عليه] ، وقال عليه الصلاة والسلام:"لاحسد إلا في اثنتين: وذكر منها: ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" [متفق عليه] .
صوم الصبيان:
قال عمر رضي الله لنشوان في رمضان، ويلك! وصبياننا صيام؟ فضربه [أخرجه البخاري] .
وعن الرُّبَيِّع بن مُعَوِّذ، قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار:"من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم"قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن ـ الصوف ـ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. [أخرجه البخاري ومسلم] .
دل الحديثان على مشروعية تعويد الأطفال على الصيام لمن لا يؤثر عليه، حتى يطيقونه، فمن بلغ منهم السابعة من عمره فعلى وليه أن يعوده على الصيام حتى يطيقه فيما بعد، وليكن ذلك بالتدريج، فمثلًا اليوم الأول يصوم جزءًا من النهار، وفي اليوم الثاني كذلك، وفي اليوم الثالث نصف النهار، وهكذا حتى
يتعود الطفل على الصيام ويألفه، وعلى ولي الأمر من أب أو أم أن يستخدموا اللعب والقصص مع الأطفال حتى ينسوا الرغبة إلى الأكل والشرب، ولهذا جاء في بعض روايات مسلم قالت: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم. وبهذا يطيق الصغير الصيام ويعتاده، لكن لا يكون ذلك من باب الواجب، فلا يجب الصيام إلا على من بلغ، أما ما قبل ذلك فحال السلف الصالح تعويد الصبيان على الصيام، فالصغير غير مكلف ولكن يعود على الصيام من باب التمرين [فتح الباري بتصرف 4/ 256] .
أما من لا يستطيع الصوم فلا يجبر عليه حتى يطيقه، ويعلم وليه بذلك، بأن يتركه فترة من الزمن بلا أكل ولا شرب فيرى مدة تحمله، ومتى يطلب الطعام والشراب، فمتى طلبه كانت تلك الفترة هي الفترة التي يستطيع الصغير تحملها، وقد يزيد الولي في ذلك مما لا يضر بالصغير، حتى يعتاد الصوم ويطيقه.
أحكام رمضانية:
لا شك أن اعظم شيء يقضي فيه الإنسان وقته هو طلب العلم الشرعي، لما للعلم من منزلة عظيمة ومكانة كبيرة عند الله تعالى، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، ولهذا إمتدح الله عز وجل العلم ورفع مكانة أهله، وأجلّ قدرهم، قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} [المجادلة 11] .