فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 122

وقال تعالى:"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" [الزمر 9] ، وجاءت الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على فضل طلب العلم وشرف أهله وما لهم عند الله من النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، فقال صلى الله عليه وسلم"من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما صنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثّوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" [رواه أحمد وأهل السنن وهو في صحيح الجامع] .

لذا كان لزامًا على المسلم تعلم العلم الشرعي الذي تقوم به حياته، وأهم ذلك أركان الإسلام الخمسة، فيعرف الحلال والحرام، فيكون للحلال مُقدامًا، وللحرام محجامًا.

طلب العلم الشرعي فريضة على كل مسلم حتىّ يميز بين الخير والشر، فيقوم بفعل الطاعات وإجتناب المعصيات، يكون سدًا منيعًا في وجه الأهواء والشهوات والشبهات، بالعلم الشرعي يعبد الإنسان ربه على بصيرة ونور.

ولكن مع تقدم الحضارة، وإنهماك الناس في ملذات الحياة، تركوا طلب العلم الشرعي، وأقبلوا على طلب الحياة الفانية، فأصبح العلم غريبًا بين الناس، بل أبسط الأحكام الشرعية التي يجب على المسلم تعلمها، أصبحت تمثل عقبةً عظيمةً امام الناس، وكل ذلك بسبب الجهل.

قال ابن القيّم رحمه الله"كل ما كان في القرآن من مدح للعبد فهو من ثمرة العلم، وكل ما كان فيه من ذم للعبد فهو من ثمرة الجهل".

وبما أن الصيام ركن عظيم من أركان الإسلام، وقد تخفى كل أحكامه أو جلّها عن الكثير من المسلمين فقد رأيت أن أكتب جملةً من تلك الأحكام التي قد يجهلها أكثر الناس اليوم، حتىّ يسهل عليهم مراجعتها وتصفحها وقت الحاجة، فتكون عونًا لهم بعد الله تعالى في أداء هذا الركن العظيم على علم وبصيرة، ومن تلك الأحكام الرمضانية ما يلي:

الحكم الأول: بدء صيام اليوم ونهايته:

يتبين هذا الأمر جليًّا بأدلته الشرعية من الكتاب والسنة، فاماّ من الكتاب فقوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم اتموا الصيام إلى الليل} [البقرة 187] .

هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم، إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلّى العشاء، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقةً كبيرةً، فنزلت هذه الآية، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، حيث أباح الله لهم الأكل والشرب والجماع في الليل متى شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل.

فبينت الآية الكريمة بداية يوم الصوم ونهايته، فبدايته: من طلوع الفجر الثاني، ونهايته إلى غروب الشمس.

عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:"كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا فحضر الإفطار فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صِرمَة الأنصاري كان صائمًا، فلماّ حضر الإفطار أتى إمرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءت إمرأته، فلماّ رأته قالت: خيبة لك، فلماّ انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية"أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم"، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، ونزلت"وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"."

فكانت منّة من الله عظيمة، ومنحة كبيرة، فهي تحدد معالم يوم الصائم، إبتداءه وانتهاءه، فيبدأ: من تبيُن الفجر إلى إدبار النهار، وإقبال الليل وتواري قرص الشمس في الحجال.

الحكم الثاني: الفجر فجران:

قد يحصل على بعض الناس خلط بين الفجر الصادق والفجر الكاذب، ولا شك أنه ينبغي على المسلم أن يتحرّى الصواب في ذلك، فمن عرف الحق أخذ به، فالحق أحق أن يُتبع.

ومن إختلط عليه الأمر، فقد جاءه العلم وانجز على لسان أفضل البشر، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"الفجر فجران، فاماّ الأول لا يُحرم الطعام، ولا يُحل الصلاة، وأماّ الثاني، فإنه يُحرم الطعام، ويُحل الصلاة" [رواه ابن خزيمة والحاكم والدار قطني والبيهقي بإسنادٍ صحيح] .

وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يغرنّكم أذان بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير" [رواه مسلم] .

وعن طلق بن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كلوا واشربوا ولا يغرنّكم الساطع المُصَعّد، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" [رواه أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم وسنده صحيح] .

فعُلم من ذلك أن الفجر، فجران:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت