فهرس الكتاب
وصومه صحيح لأنه أكل بعد إتمام الصيام المأمور به.
وعليه الإثم لتفريطه في تحري غروب الشمس وتساهله في ذلك.
3_ الأكل والشرب ظانًا غروب الشمس:
فلا يخلوا الأمر من حالات ثلاث:
الأولى / أن يأكل ظانًا غروب الشمس ثم تبين له عدم غروبها:
فعند الجمهور يجب عليه القضاء وهو الصحيح لما روى البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت"أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: فأمروا بالقضاء. قال: لا بد من القضاء، وقال معمر: سمعت هشامًا يقول: لا ادري أقضوا أم لا".
وقال ابن حجر رحمه الله:"لو غُمّ هلال رمضان فأصبحوا مفطرين ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضان، فالقضاء واجب بالإتفاق، فكذلك هذا _ يعني اليوم الذي أفطر فيه الصائم ظانًا غروب الشمس ثم تبين طلوعها فعليه القضاء" [فتح الباري 4/ 255] .
وعن بشر بن قيس قال: كناّ عند عمر بن الخطاب في عشية في رمضان، وكان يوم غيم، فجاءنا بسويق فشرب، وقال لي: اشرب فشربت، فأبصرنا بعد ذلك الشمس، فقال عمر: لا والله ما نبالي نقضي يومًا مكانه" [معرفة السنن والآثار 6/ 259] ."
وعن صهيب أنه قال في مثل ذلك:"طعمة الله، أتموا صيامكم إلى الليل، واقضوا يومًا مكانه".
وعن ابن عباس ومعاوية أنه يقضي يومًا مكانه.
وعن خالد بن أسلم: ان عمر بن الخطاب أفطر في رمضان في يومٍ ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخطب يسير، وقد اجتهدنا.
قال الشافعي: يعني قضاء يومٍ مكانه، وأفتى بذلك أيضًا سماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله في شرحه على بلوغ المرام.
وقال مالك رحمه الله: يريد بقوله (الخطب يسير) أي القضاء فيما نرى والله أعلم.
قال الباجي: قوله (أفطر ذات يوم في رمضان في يوم غيم ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس) ، يريد أنه قد اجتهد في الوقت اجتهادًا، غلب على ظنه مغيب الشمس، وهذا الذي يلزم الصائم في يوم الغيم أن يجتهد فيه، فأما إذا لم يغلب على ظنه أن الشمس قد غابت لم يجز له الفطر، فإن أفطر مع الشك فعليه القضاء والكفارة _ ويقصد بذلك كفارة الجماع لمن جامع _ لأنه قد دخل في الصوم ولزمه الإمساك وحرم عليه الأكل إلاّ بالإجتهاد وتيقن مغيب الشمس، فإذا غلب على ظنه أن الشمس قد غابت حل له الفطر وهكذا حكم الصلاة وسائر العبادات.
إذا خفيت علامات أوقاتها، قام الإجتهاد في ذلك مقام المعرفة بدخول الوقت في جواز الفعل. . وقال: وقول عمر (الخطب يسير وقد إجتهدنا) يحتمل أنه يريد بذلك ما قال مالك بأن الخطب: القضاء، ويسير في ذلك: إذ قد سقط عنهم الإثم بالإجتهاد، وقد روي عن عمر أنه أمر بالقضاء _ وروي عنه أيضًا أنه لم يقض ولم يأمر بالقضاء، ولكن الأمر بالقضاء أقوى وأبرأ للذمة وإحتياطًا لصحة الصوم. [المنتقى شرح موطأ مالك 3/ 65 _ 66] .
وقال ابن عبدالبر:"اختلفت الروايات عن عمر في القضاء، ورواية القضاء أولى بالصائم إن شاء الله" [الاستذكار 3 ـ 344] .
وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أفطرت في يوم مغيم في شهر رمضان وأنا أحسبه أول الليل، ثم بدت الشمس فقال: اقض ذلك اليوم.
وقال مجاهد: إذا أفطر الرجل في رمضان ثم بدت الشمس فعليه أن يقضيه، وإن أكل في الصبح وهو يرى أنه الليل لم يقضه.
وقال سعيد بن جبير: يتمه ويقضي يومًا مكانه وإن أكل وهو يرى أن عليه ليلًا فإذا هو قد أصبح فعليه القضاء. [مصنف عبدالرزاق 4/ 177] .
الثانية / إذا أكل ظانًا غروب الشمس ثم تبين له غروبها:
فصيامه صحيح لأنه أتم صومه. لأنه بنى على يقين وغلبة ظن، فصح صومه لاجتهاده في تحري غروب الشمس، وعدم تساهله، أو تفريطه في ذلك، بل في غاية الاهتمام بالصيام وتحري الغروب.
الثالثة / إذا أكل ظانًا غروب الشمس ولم يتبين له شيء:
فصيامه صحيح عند جمهور العلماء.
فائدة مهمة:
من سمع الآذان فأفطر ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فعليه القضاء لتساهله في تحري الغروب. ويحدث هذا كثبرًا عندما يسمع الصائم صوت المذياع أو التلفاز أو خطأ أحد المؤذنين في الأذان، أو تلاعب الأطفال بمكبرات الصوت الخاصة بالمساجد، أو تقليدهم للأذان، فكل ذلك وغيره قد يجعل الصائم يستعجل في الإفطار مما يوقعه في حرج بعد ذلك من حيث القضاء والإثم، لأنه لم يتحقق من غروب الشمس وإنما اعتمد على غيره في ذلك، وهذه خطأ فلابد للصائم أن يتحقق من غروب الشمس حتى يفطر على بينة، وصحيح إذا كان المؤذن يؤذن على الوقت بعد تحري الغروب، وعُرفت عدالته وصدقه وتحريه الوقت، فيجوز للناس الصوم والفطر بأذانه، لكن لو تبين خطؤه وأذن قبل الوقت لزم الجميع القضاء.
أحكام مهمة: