فهرس الكتاب
إن شهر رمضان شهر خير وبركة ورضوان ودخول للجنان، وبعد عن النيران لمن أخلص فيه النية لله المنان، وابتعد بصومه وأعماله الخيره عن الرياء والسمعة، احتسابًا للأجر من صاحب الكرم والجود سبحانه وتعالى. فالمسلم بجبلته وطبيعته التي خلقها الله عليها حريص على أن ينتفع بوجوده على هذه الأرض فهو يقتنص الفرص ويغتنم الأوقات من أجل الإكثار من الحسنات والبعد عن السئيات، وأن يزيد من فعل الطاعات، ويترك المنكرات، تقربًا إلى رب الأرض والسموات، ومن تلك الأعمال الخيرة الفاضلة تفطير الصائمين من الأقارب والجيران والأصدقاء وخصوصًا الفقراء والمحتاجين، ففي ذلك خير عظيم وثواب جزيل، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا" [أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح] .
وعلى المسلم أن يتقي الله تعالى فلا يُسرف في مائدة الإفطار، بل يقتصر على ما يسد به جوع من فطرهم ويروي عطشهم، فيقدم من الطعام ما يكفي من دعاهم حتى لا ترمى نعم الله تعالى في سلات المهملات، فهذا من كفر النعمة وليس من شكرها، وعليه أن يتذكر أن له إخوانًا مسلمين في بقاع شتى من الأرض يموتون من الجوع والعطش فليتذكر المسلم ذلك وليتأمله بعين الاعتبار فالنعم لا تدوم إلا بالشكر، ولا تنعدم إلا بالجحود والنكران، قال تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم 7] ، وقال تعالى: {وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل 112] .
وإذا دُعي المسلم الصائم فعليه أن يجيب الدعوة حتى يدخل الفرح والسرور على قلب من دعاه، ويستحب للمدعو أن يدعو للداعين بعد الفراغ من الطعام بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك أن يقول:"أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون" [أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما بسند صحيح، انظر صفة صوم النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان] .
وعلى المسلم أن يتأمل الزيادة الخاطئة التي يضيفونها في الحديث وهي:"وذكركم الله في من عنده"وهذه الزيادة لا أصل لها هنا.
5 -السحور:
فرض الله تعالى على هذه الأمة الصيام كما فرضه على الأمم السابقة.
وكان الصوم في صدر الإسلام في بداية فرضه أن الصائم إذا صلى العشاء ونام حرم عليه الأكل والشرب والجماع حتى نهاية اليوم التالي، ثم نسخ الأمر، فجاء القرآن الكريم بالرحمة والرأفة للناس من ربهم تبارك وتعالى، بأن أباح لهم الأكل والشرب والجماع بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر كرمًا منه سبحانه وتعالى بعبادة ولطفًا بهذه الأمة المحمدية.
ولهذا كانت أكلة السحر هي الفرق ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، فقد جاء ذلك صريحًا في حديث عمرو ابن العاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" [أخرجه مسلم] .
والسحور سنة ينبغي للمسلم اتباعها والعمل بها فعلى المسلم ألا يترك السحور ولو بشيء بسيط يأكله أو يشربه من الليل قبيل طلوع الفجر.
وللسحور فوائد وفضائل منها:
أ - بركة السحور:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تسحروا فإن في السحور بركة" [رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه] .
وعن عبد الله بن الحارث عن رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال:"إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوها" [رواه النسائي بإسناد صحيح] .
فأكلة السحر تقوي الصائم على صيام اليوم التالي، علاوة على ما فيه من البركة الواردة في الحديث، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم الغداء المبارك، فعن المقدام بن معد كرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"عليكم بغداء السحور، فإنه غداء مبارك" [رواه النسائي بإسناد حسن، أنظر جامع الأصول 5/ 501] .
ب - صلاة الله وملائكته على المتسحرين:
إنه فضل عظيم من لدن حكيم عليم، وذلك بأن يتسحر المسلم قبل الصيام فيحصل على صلاة الله وملائكته عليه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" [حديث صحيح صححه الألباني في الترغيب والترهيب، وصححه شعيب الأرنؤوط في صحيح ابن حبان] .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"السَحُور كُلهُ بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" [رواه الإمام وقال الألباني حسن لغيره. أنظر الترغيب والترهيب 1/ 621] .