فهرس الكتاب
ومما يستحب للمسلم فعله دائمًا في كل وقت وزمان وأخص بذلك صائم رمضان، أن يكثر من أعمال البر والخير، فهي لا تنحصر في شيء معين ولا عمل دون عمل، فعلى المسلم الصائم أن يتحين الأوقات وينتهز الفرص لعمل الأعمال التي تقربه من ربه زلفى وتزيد في حسناته وترفع من درجاته وتذهب عنه سيئاته ومن أهم تلك الأعمال الخيرة وأجله ا على الإطلاق، بر الوالدين وصلة الأرحام فعلى الصائم أن يسعى جاهدًا لزيارة والديه ومد يد العون لهما وإدخال الفرح والسرور على قلبهما وذلك بزيارتهما عند دخول الشهر وأثنائه وفي نهايته، فإن لم تتسنى له زيارتهما فلا أقل من الإتصال بهما بين الفينة والأخرى والسؤال عنهما وتهنئتهما بدخول الشهر الفضيل ثم بعد ذلك تهنئتهما بحلول عيد الفطر المبارك وكذلك زيارة الأرحام والأقارب والأصدقاء والجيران فكل ذلك من عمل الخير والبر الذي يؤجر عليه المسلم.
10 -حفظ اللسان عن الشتم:
شهر رمضان شهر تصفد فيه الشيطان ومردتهم فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه قبل رمضان فتضعف وسوستهم ويقل كيدهم ويضمحل شرهم، لأن الصيام يضيق مجاري الشيطان التي هي مجاري الدم، فيصبح الصائم صافي المزاج مرتاح البال قليل الكلام حافظًا لسانه عما يدنسه من فحش الكلام وبذيء القول، فلا يشتم مسلمًا ولا يسب أحدًا بل لو تعرض للسب والشتم من جاهل بأحكام الصوم لكان لسان حاله ومقاله قائلًا: كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أوقاتله فليقل: إني امرؤ صائم" [متفق عليه] .
نعم هذا هو حال الصائم أن يمسك لسانه عن سوء الكلام وأن يكون في قول الحق مقدام، وليس كما نشاهده في هذه الأزمان، وما نلمسه من كثير من الناس في رمضان، من كثرة السب والشتم والعصبية الزائدة التي تنم عن إنسان جاهل بتعاليم دينه، فلا يستطيع أن يسيطر على زمام أموره، بل يسلم ذلك لعدوه، فتراه كثير الصراخ والصياح شديد الانفعال من توافه الأسباب، لا يتحمل شيئًا، ولا يقبل عذرًا، وإذا سألته عن سبب ذلك، قال: إني صائم؟ سبحان الله! هل هذا هو خلق الصائم الحق الذي صام خالصًا لله، فصامت جواره عن كل ما يغضب الله، بل على المسلم الصائم أن يتحلى بأوامر القرآن ونواهيه، وأن يتخلق بخلق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أمر بكف اللسان، والصبر على أذى الناس. قال الله تعالى: {والذين هم عن اللغو معرضون} [المؤمنون 3] ، فعندما ذكر الله تعالى صفات المؤمنين وعدد ميزاتهم التي بسببها يدخلون الفردوس أعلى الجنة ووسطها، ذكر من جملة ذلك حفظهم لألسنتهم عن اللغو وقول الباطل من الكلام ويدخل في ذلك الشتم والسب، وعندما ذكر الله تعالى صفات عباد الرحمن التي بسببها يدخلون الجنة وينالون رضى ربهم سبحانه قال في سياق الآيات: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كرامًا} [الفرقان 72] .
فدلت الآية السابقة على أن المسلم إذا تعرض لبذيء اللسان وسيئ القول أن يترفع بنفسه عن مشاركته في ذلك وأن يكرم نفسه وذلك بالإعراض والانكسار والصفح وترك المعاودة وأن يُحسن إلى من تعرض له بالسب والشتم فيعفو عنه ويصفح، وأن يترفع عن سفاسف الأمور وتوافهها وأن يرد كما أمره المصطفى صلى الله عليه وسلم فيقول:"إني صائم".
ولا يكفي أن يقولها بقلبه بل يرفع بها صوته لأن القول المطلق باللسان أبلغ في إيصال ما يريده من أخيه المسلم، ولأنه في رمضان يكون بعيدًا عن الرياء، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: " حتى وإن كان صوم تطوع فله أن يقولها بلسانه لأن قوله:"إني صائم"، قد يشعر الذي أمامه بعظم شهر الصيام فينزجر هو الآخر."
مكروهات الصوم:
كما أن للصوم مستحبات ومسنونات فكذلك له مكروهات تنقص من أجر الصائم وتجرح صومه، فيجب على المسلم أن يجتنب هذه المكروهات وأن يحذر منها ويبتعد عنها.
ومن هذه المكروهات:
1 -المبالغة في المضمضة والاستنشاق:
ووجه الكراهة أن المبالغة في المضمضة والاستنشاق قد يصل معها الماء إلى الجوف مما يسبب فساد الصوم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبره:"وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" [رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة وغيرهم بإسناد صحيح] . لكن لو بالغ في ذلك على جهل منه، ودخل الماء إلى جوفه بغير اختياره فلا شيء عليه، لأنه أمر قد لا يتحرز منه.
2 -جمع الريق وبلعه:
الصائم حريص كل الحرص على حفظ صومه من كل شائبة ومن كل ريبة إستنادًا لقوله صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [أخرجه البخاري] .