الصفحة 4 من 10

ثالثًا، بحيث لا يغر ولا يخدع، ولذلك عرفوا الخبر الصحيح والحسن من جهة، وكذلك الضعيف والواهي والمكذوب من جهة، وليس عندهم كل صالح في نفسه صالحًا لأخذ الخبر عنه.

قال مالك - رحمه الله: (إن من شيوخي من أطلب منه الدعاء، ولا أقبل روايته) . لماذا؟ لأنه ليس من أهل هذه الصناعة - صناعة الحديث -، وليس عنده من التيقظ والتفطن ما يجعله أهلًا لنقل الحديث.

وهنالك أخبار يقصد من نشرها التشويش والتحريش، وإثارة النزاعات، وكثيرًا ما تؤدي إلى أزمات واقتتالات، ومسابات ومشاتمات، وبعض الأخبار صحيحة ولكن نشرها يؤدي إلى إشاعة الفاحشة، وتطبيع الفاحشة لدى الناس، فلو استمر الناقلون للأخبار في الحديث عمن زنا بفلانة وزنت مع فلان، وعما حدث في هذه الفاحشة، ونحو ذلك من الموضوعات، فماذا سينطبع في عقول وأذهان ونفوس السامعين؟ أن الجو كله ملوث، وأن الناس أغلبهم هكذا، وبالتالي تخف هيبة هذا الحرام، ويصبح أمرًا عاديًا، ولذلك نعى الله وذم المنافقين وعابهم بأنهم إذا جاءهم أي أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يحدث يصح نشره، فنشر بعض الأخبار إشاعة للفاحشة في الذين آمنوا.

ومثل هذه ما يسمى بصحافة الفضائح، وفيها مجلات وجرائد وقنوات متخصصة، تكثر نشر الفضائح، لماذا؟ لتعميم الحالة، وتطبيع القضية عند الناس، وهذا من أخطر ما يحدث اليوم في عالم نشر الأخبار، قضية التركيز على فضائح المشاهير، فيجعلونهم قدوات أولًا، ثم ينقلون فضائحهم ثانيًا، ويعممونها حتى تكون القضية عادية عند الناس.

وأحيانًا تكون الإشاعة خطيرة من الجهة الاقتصادية، فكم هوت من أسواق في عالم الأسهم، وحصل التلاعب في المتنافسين والتأثير غير الشريف فيهم، ونشر أخبار من الخسائر وأسرار الأطراف الأخرى التي تؤثر في أسعار أسهمهم وبضائعهم، ومعلوم أن التأثيرات النفسية في الأسواق اليوم مضاعفة الآثار جدًا، ولا يتعامل معها بحجمها الحقيقي، ولذلك فإن نشر بعض الأخبار هو إضرار باقتصاديات المسلمين، كما هو واضح الأثر فيهم، وأحيانا تتناقل الأخبار كحرب نفسية يراد منها الإرجاف والتخويف والتهويل وإثارة البلبلة، وإضعاف الروح المعنوية، تمهيدًا للانهيار والإجبار على الاستسلام، وإملاء شروط الخصم، والهزيمة والانكسار والخسارة الكبيرة.

أن كل هذه المحاذير توجب علينا أن نتلمس القواعد الشرعية في تلقي الأخبار وروايتها، ونسمع في كثير من الأحيان أخبارًا متناقضة، ومتضاربة، ولا يعرف الواحد كيف يميز الصحيح من السقيم، والكاذب من الصحيح، فإذا أضيف إلى ذلك ما يعانيه المسلمون من وجود سّماعين لمن يذيع الأخبار شرقًا وغربًا، ويتلقف خبر كل ناعق، لينشره في موقع على الشبكة أو رسالة جوال، فكيف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت