الصفحة 194 من 405

«المال: هو كل عين ذات قيمة مادية بين الناس» [1] .

فبالعين قصر المال على الأعيان، وبذلك خرجت المنافع والحقوق المحضة، مما عدوه ملكًا لا مال، وبالقيمة المادية خرجت الأعيان التي لا قيمة لها بين الناس، كحبة القمح والجيفة ونحوها.

على أن حبة القمح أو الأرز وأمثالهما، إنما لا تعتبر مالًا في حالتها الطبيعية، أما إذا دخلتها صنعةٌ مثلًا، كما يكتبه مهرة الخطاطين على حبة القمح أو الأرز من آيات قرآن وأبيات شعر ونحوها، تجعل لها قيمة فنية أو دينية، فإنها عندئذٍ قد تصبح من أنفس الأموال، وكمثل بعض الآثار، التي قد يحرص الناس على اقتنائها للذكرى، مما ليس له قيمة في ذاته، ولكن أصبح ذا قيمة بنسبته، كفضلة قلم أحد المشاهير أو توقيعه، أو مسودة بخط أحد العظماء! ونحو ذلك مما يدخل في زمرة الاثار [2] .

فالخلاصة أن فقهاء الحنفية كما يظهر من تعريفاتهم يؤكدون على العينية والادخار في مالية الأشياء، ولم يخرجوا عن هذا الضابط مطلقًا.

وعمومًا يلاحظ على ضابط الحنفية (العينية والادخار) ما يلي:

1 -أن (العينية) لم يوافقهم على اشتراطها أحد من فقهاء المذاهب الأخرى، فضلًا عن متأخريهم، الذين لم يشترطوا ذلك، حين أجازوا الاعتياض عن الحقوق المجردة بالمال، كالتنازل عن الوظيفة. قال الحصكفي (ت: 1088هـ) : «وعليه فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال» [3] .

2 -أن اشتراط (العينية) إنما كان منهم بقصد إمكان تحقيق الحيازة المادية، التي يتحقق فيها الاختصاص في نظرهم، الذي هو جوهر الملك، ولما كانت هذه الحيازة لا تتصور إلا في الأعيان، فقد اشترطوا في المال أن يكون عينًا، وهذا النظر أقرب إلى الصناعة الفقهية منه إلى النظر في المفاهيم الشرعية ودلالات التشريع، أو ربما يكون أقرب إلى المفهوم اللغوي منه إلى المفهوم

(1) المدخل الفقهي (3/ 118) .

(2) ر: المدخل الفقهي (3/ 118 - 119) .

(3) الدر المختار مع رد المحتار (7/ 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت