الصفحة 197 من 405

منفعته وأثره، كما يلاحظ من تعليلهم جواز بيع أي شيء ما، إذا كان منتفعًا به، فمناط المالية إذن هو (المنفعة) لا (العينية) في حد ذاتها، فما لا منفعة فيه لا يكون مالًا. وهذا ما تؤكده نصوصهم:

-قال ابن قدامة (ت: 620هـ) : «فإن كان الفهد والصقر ونحوهما مما ليس بمعلم ولا يقبل التعلم لم يجز بيعه؛ لعدم النفع به، وإن كان مما يمكن تعليمه جاز بيعه؛ لأن مآله إلى الانتفاع» [1] .

-وقال البهوتي بعدما عرف المال بأنه ما فيه منفعة مباحة: «فخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات [2] ، وما فيه منفعة محرمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة، كالميتة حال المخمصة. . . ويصح بيع ديدان لصيد الأسماك، ويصح بيع علق لمصّ دم، ويصح بيع طير لقصد صوته، كبلبل وهزاز؛ لأن فيه نفعًا مباحًا» [3] .

فالقيمة عند الحنابلة منوطة بالمنفعة، التي هي أصلها ومستندها، بل ومعيارها، ولا ريب أن المنفعة أمر معنوي، ولا يدرك إلا بالعقل وحده، فحيث تكون المنفعة تكون القيمة، أي: تكون المالية.

وتأسيسًا على هذا، يتسع هذا المناط أو القياس العام ليشمل كل نفع ذي قيمة بين الناس، إذا لم يكن الانتفاع به محرمًا شرعًا، وبالتالي فإن جريان المعاوضة فيه أمر صحيح، كما يقول الفقهاء: يجري فيه البذل والمنع (أي: محل للمعاوضة) [4] .

(1) المغني (4/ 328) .

(2) فالديدان أعيان في ذاتها، ولكنها ليست أموالًا، على الرغم من عينيتها، إذ لا نفع فيها، حتى إذا صارت تتخذ طعمًا في أشراك الصيد مثلًا، غدت حينئذٍ ذات قيمة مالية، لا بالنظر إلى عينيتها أو ماديتها، بل بالنظر لهذه المنفعة التي ظهرت، ولولا ذلك لبقيت من المحقرات التي يطرحها الناس.

(3) كشاف القناع (7/ 308 - 309) .

(4) ويشير الدريني إلى اتساع المناط في مالية الأشياء عند الحنابلة بقوله: «بل يتسع هذا (المناط) أو القياس العام ليشمل كل شيء لم يكن مالًا في الأصل، أو كان محرمًا لضرره من وجه، إذا ظهرت له منفعة فيما بعد، من وجه آخر، أثرًا لا كتشاف علمي، ما دام حكم المالية شرعًا يدور على ما للشيء من أثر ظاهر يتعلق بالنفع الإنساني العام. فأوصال اللقاح مثلًا، قوامها في الأصل جراثيم ضارة فتاكة، لكنهاأصبحت اليوم أموالًا ذات قيمة عالمية، بعد أن ظهر نفعها في مقاومة الأوبئة والأمراض مثل:

(الكوليرا) والحدري والطاعون ونحوها. وكذلك الدم الآدمي، هو في الأصل محرم الاتجار به لمجرد الاتجار والكسب؛ صيانة للكرامة الإنسانية، التي أرساها القرآن الكريم مبدأً دستوريًا أصيلًا بقوله:

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي% ءَادَمَ} [سورة الإسراء: 70] لكن لما ظهر نفعه العظيم، علمًا وواقعًا، في إنقاذ حياة جرحى الحروب، الزيف استنزفت دماؤهم أثرًا لجراحاتهم البالغة، واعتاد الناس تداوله دوليًا، لما أضحى له من قيمة، كان مالًا متقومًا شرعًا، تخريجًا على هذا المناط العام في مالية الأشياء». الفقه المقارن ص (235 - 236) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت