الصفحة 202 من 405

على خلاف القياس فغيره لا يقاس عليه [1] . جاء في درر الحكام: «ولما كانت المنفعة كالحركة من الأعراض الزائلة، وهي معدومة، فيجب قياسًا ألا تكون محلًا للعقد؛ لأن الشارع لضرورة الحاجة قد أعطاها حكم الموجود، وجوّز بأن تكون محلًا للعقد، فأقام العين مقام المنفعة في

العقود» [2] . ويبدو أن دليل الحنفية في هذه المسألة الاستحسان [3] ؛ وذلك تحقيقًا للمصلحة، كما يبدو من كلام الكاساني (ت: 587هـ) حيث يقول: «لأن الإجارة بيع المنفعة، والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع، فلا يجوز إضافة البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل، كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذًا لا سبيل إلى تجويزها، لا باعتبار الحال، ولا باعتبار المآل، فلا جواز رأسًا، لكن استحسنا الجواز» [4] .

لكن يمكن أن يقال: إنما قوّمت المنافع بعقد الإجارة على خلاف القياس، من أجل المصلحة، فإن هذا المدرك أو العلة متحقق في أصل المنافع، سواء ورد عليها العقد أم لم يرد، مما يقضي بوجوب اعتبار أصل المنافع أموالًا، لاتحاد العلة، وهي

المصلحة [5] .

يقول د. الدريني منتقدًا منهج الحنفية، من أن اعتبروا العقد (في الإجارة) سبب المالية في المنافع: «لم يعهد شرعًا أن العقد يغيّر من خصائص الأشياء، فيجعل مالًا ما لم يكن كذلك؛ لأن وظيفة العقد إنما هي إنشاء حقوق والتزامات بين طرفيه في محله، كما هو معلوم، لا تغيير طبيعة هذا المحل، بل يشترط أن يكون محل العقد مالًا متقومًا ابتداء، حتى يصح ورود العقد عليه، ويترك أثره فيه. فما ليس بمال، لا يصح أن

(1) القاعدة (14) من قواعد الزرقا، المادة (15) من مجلة الأحكام العدلية.

(2) درر الحكام (1/ 100) ، و ر: المدخل الفقهي (3/ 205) .

(3) الاستحسان: هو العدول بحكم مسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة. ر: روضة الناظر

(4) بدائع الصنائع (4/ 173) .

(5) ر: الفقه المقارن ص (282) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت