فهرس الكتاب
هذا؛ لعدم ملاءمتها لمقاصد الشريعة العامة والخاصة، فمن ذلك: ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة وصاحباه، من أن منافع الغصب لا تضمن، بناء على أن المنافع ليست
أموالًا. واختار المتأخرون الإفتاء بالضمان في ثلاث مسائل: مال اليتيم، ومال
الوقف، والمنافع المعدّة للاستغلال [1] ، وقد ألزم المحقق ابن الهمام (ت: 681هـ) المفتين الإفتاء بتضمين منافع الغصب في الأملاك؛ لكثرة الغاصبين، زجرًا لهم ورفعًا للفساد [2] .
يقول الشيخ الزرقا (ت: 1420هـ) : «على أن المتأخرين من فقهاء الحنفية لحظوا سيئات النتائج، وإضاعة الحق الذي تؤدي إليه نظرته عدم ضمان منافع
المغصوب، فقصروا من أذيالها، وضيقوا دائرة شمولها، فاستثنوا: مال اليتيم، ومال الوقف، والأموال المعدّة للاستغلال، وأوجبوا في كل ذلك على غاصبه التزام ضمان أجر المثل قيمة للمنافع [3] ، وعللوا ذلك باقتضاء المصلحة الزمنية، وبعض اعتبارات أخرى. . . ولا يخفى أن ما صلح من الاعتبارات أن تكون به المنافع كالأعيان، مالًا متقوّمًا، مضمونًا بالغصب، فيما يتعلق باليتيم والوقف والمُعدّ للاستغلال، يصلح أن تعتبر به المنافع كذلك، بوجه عام في سائر الأحوال. وليت أن جمعية المجلة [4] ، بما منحته من صلاحية الاختيار المعتبر شرعًا، أخذت هذا الموضوع بنظرية الاجتهاد الشافعي والحنبلي، فعممت ضمان المنافع، واعتبرتها أموالًا متقدمة بذاتها في سائر الأحوال، رعاية لمصلحة المجتمع، وزجرًا عن العدوان، الذي أصبح معظم الناس لا يتحامونه لمجرد حرمته، إذا لم يقترن بالمسؤوليات المدنية» [5] .
كما أن د. الدريني انتقد استثناء الحنفية للمنافع الثلاثة، قائلًا: «إن هذه الاستثناءات التي أوردوها على ضابطهم العام في المال، دليل على فساد النظر فيه» [6] .
المطلب الثاني
مدى قابلية الحقوق للمعاوضة
ويشمل ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الحقوق التي لا تقبل المعاوضة.
المسألة الثانية: المعاوضة على الحقوق العرفية.
(1) ر: الفوائد الزينية ص (63) ، والمدخل الفقهي (3/ 209) .
(2) ر: الفوائد الزينية ص (94) ، ومقاصد الشريعة الخاصة بالتصرفات المالية ص (39 - 40) .
(3) جاء في المادة (596) من مجلة الأحكام العدلية: «لو استعمل واحد مالًا بدون إذن صاحبه كان غاصبًا، فلا يلزمه ضمان منافعه، ولكن إذا كان ذلك المال مال وقف أو صغير، فحينئذٍ يلزمه ضمان المنفعة، أي: أجر المثل بكل حال، وإن كان مُعدًّا للاستغلال، فإنه يلزمه ضمان المنفعة، أي: أجر المثل، إذا لم يكن استعماله بتأويل ملك أو عقد، أو لم يكن، وكذلك إذا كانت تلك الدار دار كراء، ولم يكن ثمة تأويل ملك أو عقد، يلزم أجر المثل، ومثل ذلك لو استعمل واحد دابة الكراء بدون إذن صاحبها، أي: فيلزمه أجر المثل» .
(4) على أنهم من متأخري الحنفية، ومن أعضاء الجمعية علاء الدين ابن عابدين، وكان صدورها عام
(1286هـ) . ر: شرح المجلة (الباز) ص (9) .
(5) المدخل الفقهي (3/ 209) .
(6) الفقه المقارن ص (283) .