الصفحة 213 من 405

مبادلة مال بمال» [1] ، والمال معروف، منضبط لدى الحنفية بالضوابط السابقة، وعلى هذا فُسِّر المرغوب فيه.

أما حكم بيع هذه الحقوق، فيبدو أنها غير جائزة على العموم، إلا ما كان من أهل نسَف وبَلْخ، فإنهم أجازوا بيع حق الشرب، وهذا ما يظهر من نصوصهم:

-قال السرخسي (ت: 483هـ) : «بيع الشرب فاسد، فإنه من حقوق البيع، بمنزلة الأوصاف، فلا يفرد بالبيع، ثم هو مجهول في نفسه، غير مقدور على التسليم؛ لأن البائع لا يدري أيجري الماء أم لا، وليس في وسعه أجراؤه. قال: وكان شيخنا الإمام يحكي عن أستاذه أنه كان يفتي بجواز بيع الشرب بدون الأرض، ويقول: فيه عرف ظاهر في ديارنا بنَسَف [2] ، فإنهم يبيعون الماء، فللعرف الظاهر كان يفتي بجوازه، ولكن العرف إنما يعتبر فيما لا نصّ بخلافه، والنهي عن بيع الضرر نص بخلاف هذا العرف، فلا يعتبر» [3] .

فقد ذهب السرخسي إلى فساد بيع الشرب مستدلًا على ذلك بعدة أدلة:

1 -على أن حقوق المبيع بمنزلة الأوصاف، فلا تفرد بالبيع.

2 -أن هذا الحق مجهول في نفسه، فلا تعرف كمية المياه المارّة.

3 -أن هذا الحق غير مقدور على تسليمه حقيقة؛ لأن بائعه لا يضمن استمرار جريان الماء.

كما أنه ذكر مستند من أجاز بيع هذا الحق، على أنه العرف، وردّ على هذا الاستدلال، بأن العرف يعمل به عند عدم وجود نص يعارضه.

-وقال ملا خسرو (ت: 885هـ) : «ولا يجوز بيع مسيل الماء وهبته، ولا بيع الطريق بدون الأرض، وكذلك بيع الشرب، وقال مشايخ بَلْخ [4]

(1) المادة (105) من المجلة. ر: بدائع الصنائع (5/ 140) .

(2) نسف: مدينة كبيرة، بين جيحون وسمرقند، خرج منها جماعة كثيرة من أهل العلم، وهي مدينة كثيرة المياه، على مدرج بخارى وبلخ، وهي مدينة (نخشب) نفسها. ر: معجم البلدان (5/ 285) .

(3) المبسوط (14/ 135 - 136) .

(4) بَلْخ: مدينة مشهورة في خراسان، ومن أكثر بلادها غلة وخيرًا، وقيل: بناها الإسكندر، وكانت تسمى الإسكندرية قديمًا، وينسب إليها علماء كثيرون. ر: معجم البلدان (1/ 480) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت