فهرس الكتاب
عوض في معوض» [1] . ويبدو أن لفظة (العوض) توجب خللًا في
التعريف؛ لأنها لا تعرف إلا بعد معرفة ما هو ملزوم البيع، وذلك لأن العوض هو أحد نوعي المعقود عليه، فمعرفته متوقفة على معرفة المعقود عليه، توقف معرفة النوع على معرفة جنسه، ويلزم من ذلك الدور.
لكن يمكن أن يفسر العوض على ضوء تعريف الشاطبي (ت: 790هـ)
للمال، على أنه ما يقع عليه الاستبداد، ويستبد به المالك [2] ؛ لأن العوض لا يكون إلا مالًا، ومعنى الاستبداد: التمكن، وهو مناط السلطات الثلاث: التصرف والاستعمال والاستغلال، وهذا الاعتبار في مفهوم المال هو مناط الصفة المالية للأشياء، سواء أكانت مادية أم معنوية، وبذلك يشمل: الأعيان والمنافع، وسائر الأمور المعنوية كالحقوق؛ لأن الحقوق تقوم على أساس الملك، إذ الحق جوهر الاختصاص، والاختصاص جوهر الملك وحقيقته، وإذا كانت الحقوق من قبيل الملك، فالحقوق أموال [3] .
ومما يؤكد اعتبار المالكية الحقوق أموال، تصح المعاوضة عليها، ما جاء في
المدونة: «قلت [4] : أرأيت إن بعت شرب يوم، أيجوز ذلك أم لا؟ قال [5] : قال مالك: ذلك جائز، قلت: فإن بعت حظي، بعث أصله من الشرب، وإنما لي فيه يوم من اثني عشر يومًا، أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم، قلت: فإن لم أبع أصله ولكن جعلت أبيع منه السقي، إذا جاء يومي بعت ما صار لي من الماء ممن يسقي به، أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم» [6] .
فهذا النص مؤكد على جواز بيع حق الشرب، كلًا أو بعضًا، وما هو إلا حق مجرد؛ لأن بيع الحظ من الشرب قد أفرد في هذه المسألة عن بيع الماء.
(1) مواهب الجليل (6/ 4) .
(2) الموافقات (2/ 17) .
(3) ر: الفقه المقارن ص (240) .
(4) أي: سحنون (ت: 240هـ) ، راوي المدونة عن ابن القاسم.
(5) أي: عبد الرحمن بن القاسم (ت: 191هـ) ، راوي المدونة عن مالك.
(6) المدونة (3/ 289) .