الصفحة 23 من 405

توثيق الالتزام - أي إحكامه وإثباته - أمر مشروع لاحتياج النّاس إلى معاملة من لا يعرفونه، خشية جحد الحقوق أو ضياعها. وقد شرع اللّه سبحانه وتعالى للنّاس ما يضمن لهم حقوقهم بتوثيقها، وجعل لذلك طرقًا متعدّدةً وهي:

الكتابة والإشهاد: شرع اللّه سبحانه وتعالى الكتابة والإشهاد صيانةً للحقوق، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ، {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} ، {وَأَشْهِدُوْا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [1] .

الرّهن: شرع الرّهن لتوثيق الالتزامات، لأنّه احتباس العين ليستوفي الحقّ من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذّر أخذه من الغريم. والأصل في مشروعيّته قول اللّه تعالى: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} [2] . وروي أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - (اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ) [3] .

الضّمان والكفالة: قد يستعملان بمعنًى واحدٍ، وقد يستعمل الضّمان للدّين، والكفالة للنّفس. وهما مشروعان أيضًا ليتوثّق بهما الالتزام. والأصل في ذلك قول اللّه تعالى في قصّة يوسف: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [4] .

المطلب الثالث: الفرق بين الحقوق والالتزامات:

تبين فيما مضى أن الحقوق: ما ثبت في الشرع للشخص، أو لله تعالى على الغير.

فلله تعالى حق على عباده بالتزامهم بما أمرهم به من أحكام شرعية وأوامر ونواهٍ.

وللعباد حقوق تثبت من خلال التعامل فيما بينهم.

وأما الالتزامات: فهي ما ألزم الإنسان به نفسه من القيام بعبادة معينة على وجه التعبد لله، أو إلزامه بعمل معين على سبيل التقرب، أو إلزام الزوجة بأداء حق زوجها، وغير ذلك من الصور.

(1) سورة البقرة: الآية 282.

(2) سورة البقرة: الآية 283.

(3) أخرجه البخاري ـ كتاب البيوع ـ باب شراء النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسيئة (1926) .

(4) يوسف: 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت