فهرس الكتاب
-فلقد ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى أن المنافع أموال متقومة في ذاتها - كما مرّ معنا - كالأعيان.
وتأسيسًا على ذلك، ترد عليه العقود الناقلة للملكية، وتسترد من غاصبها، ويجري فيها الإرث جملة [1] .
-أما متقدموا الحنفية: فتعتبر المنافع - في اجتهادهم - أموالًا متقومة أيضًا، على سبيل الاستثناء في عقد الإجارة، مراعاة للمصلحة العامة وحاجة الناس إليها في حياتهم، بدليل ما لها من موقع في تعالمهم عرفًا، والعرف مستنده المصلحة والحاجة [2] .
فمناط المالية عند الجمهور (الماديّة والمعنوية) فكل ما هو منتفع به من الأعيان والمنافع، هو مال عند جمهور الفقهاء. يقول الدريني: «وجريًا على مقتضى مناط المالية في الفقه الحنبلي، من أن (ديدان الصيد) تعتبر مالًا، بالنظر لمنفعتها المحدودة، من جعلها طعمًا لاقتناص طائر، أو اصطياد سمك، فإن (المنافع الخالصة) ذات الأثر البالغ في حياة البشر، كالابتكار الذهني، ينبغي أن تكون مالًا من باب أولى؛ لأن من المقرر أصوليًا أن الحكم يتأكد شرعًا، بمدى قوة تقرر مناطه فيما يشمله من وقائع والتفاوت شاسع بين الأثرين بداهةً، بل لا يخفى ذلك على من له أدنى مسكةٍ من
عقل، إذ النفع في الحشرات والديدان أثر محدود لمخلوقات تافهة، بخلاف الإنتاج الفكري المبتكر، فهو أثر لمجهود عقلي شاق ومضنٍ، يبذله الإنسان الحيّ العاقل المفكر العالم؛ لتقويم وتدبير الحياة الإنسانية الفاضلة، باعتباره مستخلفًا عن الله في
الأرض» [3] .
فالخلاصة، أن حق الابتكار حق ماليّ، بعد أن رأينا أن شرائط المالية التي وضعها الفقهاء متحققة فيه [4] .
(1) ر: الفقه المقارن ص (230) .
(2) ر: بدائع الصنائع (4/ 173) ، ودرر الحكام (1/ 100) ، والمدخل الفقهي (3/ 205) .
(3) الفقه المقارن ص (237) .
(4) يرى د. البوطي أن الإبداعات الفكرية والعلمية كانت تنشأ في العصور القديمة داخل أفكار أصحابها، ثم لا تستقر إلا بكتابتها على أيدي النّسّاخ، الذين كانوا يبذلون جهودًا شاقة في عملية النسخ والكتابة، ولم يكن يتجلى لهذا الحق أي معنى أو قيمة، أكثر من مجرد اختصاص نسبة تكسب صاحبها المنثوبة والثناء، فيما هو مقبول ومستحسن، وتعرضه للقدح والعقاب، فيما هو مرفوض مستهجن. أما القيمة المالية فلم يكن ليبدو شيء منها، ومن ثمّ لم تطرح فكرة الحق المالي في التأليف، في أي من تلك العهود الغابرة، وربما لم تخطر من أحدهم على بال.
ولم يكن في مألوف الناس، وعرفهم السائد أن جهدًا فكريًا أو علميًا ظهر من خلال كتابة مرموقة على صفحات يقوّم بأي قيمة مالية، ما عدا قيمة الورقة والحبر، والجهد الذي يبذله الناسخ في الكتابة.
وهكذا فإن الكتاب، مهما عظمت فائدته المعنوية، ومهما كان محل رغبة من جماهير الناس، فإن القيمة المالية التي يمكن أن تقدر تلك الفائدة بها، تذوب وتختفي إزاء قيمة الجهد الكبير الذي كان النساخ يبذلونه في سبيل رصد هذه الفائدة وتسجيلها، بحيث تبدو قيمة النسخ مساوية أو أغلى من قيمة المضمون العلمي أو الفكري للكتاب.
وتوضيح ذلك نقول: إن جهد الناسخ لكتاب ما عندما يقدر بعشرة دنانير مثلًا، فإن القيمة الاسمية له لن تزيد في السوق على هذا المبلغ؛ ذلك لأن الناسخ هو الذي يقرر الثمن، وإنما الثمن من وجهة نظره قيمة جهده اليدوي، وتكاليف الكتابة، وإن كان من وجهة نظر المشتري قيمة ما يتضمنه الكتاب من علم وإبداع فكري؛ إذ هو لا ينظر إلى الجهد الكتابي، وما بذله الناسخ، فهو أمر لا يعنيه.
ويمكن أن يقال: إن هذا المؤلف له قيمة مالية في نظر القراء المقبلين عليه، ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن هذه القيمة استهلكت داخل القيمة التي اقتضاها جهد الكتابة وتكاليفه.
وهكذا، فإن المؤلف لم يكن يخطر بباله قطّ أن يجعل من أعماله العلمية مصدر رزق، إنما كانت غايته الوصول إلى أعين القراء وأفكارهم. ر: الحقوق المعنوية، مجلة الفقه الإسلامي (5) (3/ 24401 - 24403) .