الصفحة 25 من 405

ولعل ما ذكره الحنابلة رحمهم الله هو الأقرب والمختار لاشتماله على قيد المنفعة وقيد الإباحة. والله أعلم.

وتعريف المالكية والشافعية قريب من تعريف الحنابلة، وهو أولى من تعريف الحنفية؛ لأنه يشمل الأعيان والمنافع والحقوق.

وقد عرفه بعض المعاصرين بتعريف يتفق مع مسلك الجمهور وهو:"ما كان له قيمة مادية بين الناس، وجاز شرعًا الانتفاع به في حال السعة والاختيار" [1] .

أما عند الحنفية ما أمكن حيازته والانتفاع به انتفاعًا عاديًا جائزًا في غير حالات الضرورة، ولذا لا يكون المال عندهم إلا عينًا من الأعيان ـ أي مادة لها حيزـ، و لا تعد المنافع و لا الحقوق عندهم من الأموال، وكان الدَّين في نظرهم ليس بمال، وإن قالوا إنه مال حكمًا أي له حكم المال، وكذلك الميتة ليست بمال إذ ليس الانتفاع بها جائزًا في غير حال الضرورة، وقالوا إن حبة الأرز أو حبة البر ليست بمال لأن الانتفاع بها إن حدث ليس عاديًا، وعلى ذلك لا تكون الملكية الأدبية من المال وكذلك ما في معناها، كالملكية الصناعية. ومن تعريفهم أيضًا قولهم: إن المال ما يميل إليه الطبع وأمكن ادخاره لوقت الحاجة، و لا يكاد يختلف عن سابقه.

وأما الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة فلم يشترطوا في المال أن يكون مادة يمكن حيازتها حيازة حسية، بل اكتفوا بأن يكون في مكنة صاحبه التسلط عليه ومنعه عن غيره ولو بحيازة مصدره، ولذا كانت المنافع عندهم أموالًا، لأنها تمنع بحيازة مصادرها، ويتحقق الانتفاع بالاستيلاء على تلك المصادر، ولذا فإن المال قد يكون عينًا وقد يكون غير عين كالمنافع، وقالوا إن من الحقوق أيضًا ما يعد مالًا إذا جرى التعامل به وأصبح ذا قيمة مالية؛ لأنه لا يعدو أن يعد من المنافع.

واعتبار المنافع من الأموال هو أوجه الرأيين؛ لأنه المتفق مع عرف الناس، والمتسق مع أغراضهم ومعاملاتهم؛ فهم لا يبتغون الأعيان إلا طلبًا لمنافعها، ولأجلها يستعيضونها بالنفيس من أموالهم، وما لا منفعة له لا رغبة فيه و لا طلب له، وإذا طلب عد طالبه من الحمقى والسفهاء، وربما

(1) الملكية في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد السلام العباد (1/ 179) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت