الصفحة 289 من 405

أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر [1] .

وجه الدلالة:

أن اشتراط الأجر على الضمان من بيع الغرر؛ لأن الضامن إذا تحمل عن المضمون عنه مائة على أن يعطيه عشرة قد يعدم الدين فيخسر الضامن المائة، وقد يؤدي فيربح [2] .

ونوقش:

بأن هذا وجيه لو كان التكييف الفقهي للأجر عن الضمان أنه عوض عن الدين المكفول به إذا أداه الضامن لرب الدين، ولكنه غير مسلم بناء على أن الجعل في الضمان إنما هو مقابل مجرد التزام الضامن بالدين المكفول به في ذمته، سواء أداه أو لم يؤده [3] .

ويمكن أن يجاب:

على فرض التسليم بأن الأجر في مقابل الالتزام، فإن هذا الالتزام لا يجوز أخذ العوض عليه؛ لأن الضامن إن أدى الدين عن المضمون عنه كان ذلك من قبيل أخذ العوض عن الدين المكفول به، وإن لم يؤد الضامن الدين كان ذلك العوض من أكل أموال الناس بالباطل؛ إذ إن الضامن أخذ من المضمون عنه أجرًا في مقابل منفعة ليست محلًا للمعاوضة.

الدليل الثالث:

أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - لعن الراشي والمرتشي [4] .

وجه الدلالة:

أن الحديث قد دل على تحريم الرشوة، وأخذ الأجرة على الضمان من قبيل الرشوة؛ لأن الضمان ليس مالًا، ولا عملًا يستحق الأجر، فأخذ الأجر عليه حرام ورشوة [5] .

ونوقش:

بأن اعتبار الجعل على الضمان من قبيل الرشوة غير سديد؛ لأن الرشوة هي كل ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل، فأما ما يعطى توصلًا على أخذ حق أو دفع ظلم فليس بداخل فيها [6] .

وأجيب:

بعدم التسليم بأن مفهوم الرشوة يقتصر على ما ذكر، بل عمم بعض العلماء مفهوم الرشوة في كل ما أخذ بغير سبب يستوجب أخذه، وهذا المفهوم مستفاد من إطلاق

(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر برقم (3808) ص (939) من حديث أبي هريرة.

(2) حلى المعاصم لبنت فكر ابن عاصم للتاودي (1/ 184) ، والبهجة في شرح التحفة للتسولي (1/ 184) .

(3) قضايا فقهية في المال والاقتصاد، مدى جواز أخذ الأجر على الضمان لنزيه حماد ص (307)

(4) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (2/ 164) ، وأبو داود في سننه، كتاب القضاء، باب في كراهية الرشوة برقم (3580) ص (1488) ، والترمذي في سننه، كتاب الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم برقم (1336) ص (1785) وقال: حديث حسن صحيح!،وأخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام، باب ذكر القضاة برقم (2313) ص (2615) ، كلهم من طريق عبد الله بن عمرو، وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 907) .

(5) المبسوط للسرخسي (20/ 32) .

(6) التعريفات للجرجاني ص (116) ، قضايا فقهية في المال والاقتصاد، مدى جواز أخذ الأجرة على الضمان لنزيه حماد ص (304) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت