الصفحة 371 من 405

المسألة الثانية:

أن الالتزام في العقود؛ وعدٌ مُلزم، ما يعني أن العقد نافذٌ حُكمًا، وإن لم يكُن حاصلًا حقيقةً، ومن المتقرر أن (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني) ، و (العبرة في العقود بما في نفس الأمر، لا بما في ظن المكلف) [1] .

ولذلك مُنع (الوعد الملزم) في بيع المرابحة كما تجريه البنوك؛ لأن العقد ينفذ، والبنك لم يتملّك السلعة، فيكون قد باع ما لا يملك.

المطلب الخامس: أقسام الحقوق من حيث ماليتها:

ثمة تقسيم مناسب للحقوق من حيث ماليتها [2] يجمع شتاتها، وينظم متفرقها، وإن كان لا يخلو من إجمال، إلا أنه يعد آلة معينة للباحث في الوصول للحكم في (الحق) المراد بحثه، كما أشرت لذلك قريبًا.

وإن الحسم بصوابه أو تخطئته يحتاج إلى استقراءٍ واسع، من عددٍ وافرٍ من الباحث الضليع، أو من خلال مركز بحثي، أو مؤسسة علمية، أو هيئة شرعية، أو مجمع فقهي.

وإني أدعو من خلال هذه الندوة الفقهية المباركة المعنيّة بالماليّة المعاصرة؛ القائمين عليها إلى تبني هذا المشروع، إذ في ذلك الاستقراء فائدة كبيرة، ومنفعة جليلة للفقه والفقهاء، بحيث يكون قاعدة ضابطة على خصوص كل نازلة تحصل في هذا الباب بعد ذلك، فشأن الاستقراء العموم [3] .

يقول أبو إسحاق الشاطبي: من (استقرَى معنىً عامًا من أدلة خاصة، واطّرد له ذلك المعنى، لم يفتقر بعد ذلك إلى دليل خاص على خصوص نازلة تعنّ، بل يحكم عليها -وإن كانت خاصة- بالدخول تحت عموم المعنى المستقرَى، من غير اعتبارٍ بقياس أو غيره، إذ صار ما استقرَى من عموم المعنى؛ كالمنصوص بصيغة عامة، فكيف يحتاج مع ذلك إلى صيغة خاصة بمطلوبه؟) [4] .

(1) شرح منتهى الإرادات (3/ 130) ط. الرسالة.

(2) ثمة تقسيمات أخر باختلاف الاعتبار، وما يعنينا هنا ما يتعلق بمدى مالية وإمكان تملك هذه الحقوق.

(3) ينظر: الموافقات للشاطبي (3/ 298) ط. دراز.

(4) ينظر: الموافقات (3/ 304) ط. دراز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت