الصفحة 55 من 405

الثاني: إلزام الشخص نفسه شيئًا من المعروف بلفظ الالتزام، وهذا أخص من سابقه، حيث أنه نوع من أنواع العطية.

وعلى ذلك فإن الالتزام إذا أطلق عند فقهاء المالكية فإنه يقصد ويراد به المعنى الأخير له، وقد صنف الفقيه المالكي الحطاب مؤلفًا مستقلًا في ذلك سماه تحرير الكلام في مسائل الالتزام بين فيه ماهية الالتزام، وأركانه، وأنواعه ومسائله، وقد عرف الحطاب الالتزام بقوله: إلزام الشخص نفسه شيئًا من المعروف مطلقًا أو معلقًا على شيء، فهو بمعنى العطية. [1] .

وهذا التمييز بين النوعين من الالتزام هو المستفاد من بعض نصوص الفقهاء ومنها قول السرخسي في المبسوط ما نصه"وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامٌ مِنْ الْكَفِيلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بِمُقَابَلَتِهِ إلْزَامٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَالالْتِزَامُ يَتِمُّ بِالْمُلْتَزِمِ وَحْدَهُ، كَالْإِقْرَارِ وَهَذَا لأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْهُ فِي ذِمَّتِهِ وَلَهُ وِلايَةٌ عَلَى ذِمَّتِهِ وَلا يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ إلَى الطَّالِبِ لأَنَّهُ لا يَزْدَادُ بِالْكَفَالَةِ حَقُّ الطَّالِبِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رحمهما الله قَالا: الْكَفَالَةُ تَبَرُّعٌ وَهُوَ تَبَرُّعٌ عَلَى الطَّالِبِ بِالالْتِزَامِ لَهُ وَإِنْشَاءُ سَبَبِ التَّبَرُّعِ لا يَتِمُّ بِالتَّبَرُّعِ مَا لَمْ يَقْبَلْهُ الْمُتَبَرِّعُ عَلَيْهِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَهَذَا؛ لأَنَّ الْتِزَامَ الْحَقِّ بِإِنْشَاءِ الْعَقْدِ، وَالْعَقْدُ لا يَتِمُّ بِالإِيجَابِ بِدُونِ الْقَبُولِ وَلا يُمْكِنُ جَعْلُ إيجَابِهِ قَائِمًا" [2]

وهذا يفيد بأن الالتزام قد يتم بالملتزم وحده، وهو ما نسميه بالالتزام الفردي، ويفيد بأن الالتزام قد لا يتم إلا بوجود طرف ثاني؛ لأن التزام الحق بإنشاء العقد، والعقد لا يتم إلا بالإيجاب والقبول، والقبول يحتاج إلى قابل، وهذا ما نسمية بالالتزام التبادلي.

ثانيًا: تعريفات الفقهاء المحدثين

تعددت تعريفات الفقهاء المحدثين للالتزام وتنوعت، ولكن يمكن تقسيمها إلى زمرتين:

الزمرة الأولى:

وتتضمن تعاريفها التأثر الشديد بمفهوم الالتزام القانوني، ولعل أبرز هذه التعاريف ما يلي:

(1) تحرير الكلام في مسائل الالتزام: ص68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت