يَرِدْ الشَّرْعُ بِإِلْزَامِهَا هَذَا , وَلا هِيَ الْتَزَمَتْهُ لَهُ , وَإِنَّمَا عَلَّقَ طَلاقَهَا عَلَى شَرْطٍ , وَهُوَ عَطِيَّتُهَا لَهُ ذَلِكَ , فَلا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ سِوَاهُ" [1] ."
ومن جهة أخرى فقد سبق أن بينا أن الفقهاء يطلقون الالتزام ويريدون به العقد، ومن المعلوم أن التصرفات التي فيها إنهاء حق أو إسقاطه كالطلاق والعتاق لا تدخل في مفهومه لسببين:
الأول: أن العقد لا يتناول إلا ما كان منتظرًا مراعى في المستقبل فيسمى البيع، والنكاح، والإجارة وسائر عقود المعاوضات عقودًا؛ لأن كل واحد منهما قد ألزم نفسه التمام عليه والوفاء به، وتسمى الشركة المضاربة والمساقاة والمزارعة عقودًا؛ لأن كل من المتعاقدين قد ألزم نفسه الوفاء بما شرطه من الربح والعمل لصاحبه وألزم نفسه به، وتسمى اليمين عقدًا لأنه على المستقبل ; لأن الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك، ويسمى العهد والأمان عقدًا ; لأن معطيها قد ألزم نفسه الوفاء بها، وكذلك كل شرط شرطه إنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد , وكذلك النذور [2] . وأما لا تعلق له بمعنى في المستقبل ينتظر وقوعه وإنما هو على شيء ماض قد وقع، كالطلاق فإنه لا يسمى عقد، وفي ذلك يقول الجصاص"وما لا تعلق له بمعنى في المستقبل ينتظر وقوعه وإنما هو على شيء ماض قد وقع فإنه لا يسمى عقدا ألا ترى أن من طلق امرأته فإنه لا يسمى طلاقه عقدا" [3] .
الثاني: أن كل تصرف فيه إسقاط لحق أو إنهاء لا يسمى عقدًا بل حلًا، والحل ضد العقد، والفقهاء متفقون على أن الطلاق وشبهة هو إسقاطٌ مجردٌ وحل.
التعريف الراجح:
من خلال ما سبق ذكره من تعاريف الالتزام، يتبين لنا الأمور التالية:
1 -أن هناك من توسع في مفهوم الالتزام فجعله شاملًا لأمرين: الأول: إيجاب الإنسان أمرًا على نفسه، والأخر: إيجاب الغير عليه أمرًا، وهناك من قصر مفهوم الالتزام على الأمر الأول فقط.
(1) المغني: 8/ 258، طبعة دار الفكر.
(2) أحكام القرآن للجصاص: 3/ 285.
(3) أحكام القرآن للجصاص: 3/ 285.