فهرس الكتاب
المسألة الثالثة: مصادر الالتزام.
ونعني بمصادر الالتزام أنها الأسباب الشرعية التي نشأ بها الالتزام، وهي تشمل جميع التصرفات الاختيارية التي يوجبها الإنسان على نفسه، سواء أكانت هذه الالتزامات لله تعالى كالنذور والأيمان، أم كانت للعباد، كالعقود والشروط التابعة لها، وفي ذلك يقول ابن القيم"فَكَمَا أَنَّ شِرَاءَ الأَمَةِ وَنِكَاحَ الْمَرْأَةِ يُحِلُّ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ قَبْلَهُ وَطَلاقُهَا وَبَيْعُهَا بِالْعَكْسِ يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ وَيُسْقِطُ عَنْهُ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِهَا , كَذَلِكَ الْتِزَامُهُ بِالْعَقْدِ وَالْعَهْدِ وَالنَّذْرِ وَالشَّرْطِ , فَإِذَا مَلَكَ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ بِالْعَقْدِ مَلَكَهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ تَابِعٌ لَهُ , وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى: (إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) فَأَبَاحَ التِّجَارَةَ الَّتِي تَرَاضَى بِهَا الْمُتَبَايِعَانِ , فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى شَرْطٍ لا يُخَالِفُ حُكْمَ اللَّهِ جَازَ لَهُمَا ذَلِكَ , وَلا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ وَإِلْزَامُهُمَا بِمَا لَمْ يَلْتَزِمَاهُ وَلا أَلْزَمَهُمَا اللَّهُ وَلا رَسُولُهُ بِهِ , وَلا يَجُوزُ إلْزَامُهُمَا بِمَا لَمْ يُلْزِمْهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَلا هُمَا الْتَزَمَاهُ" [1]
وبناء على تعريف الالتزام المختار الذي سبق ذكره يتبين لنا أن مصادر الالتزام تنحصر في الأمور التالية:
1 -التصرفات التي تتم بإيجاب وقبول، ويدخل فيها البيع، والإجارة، والسلم، والمضاربة والمساقاة والمزارعة، والقرض، والعارية، والوديعة، والنكاح، والرهن. والتي يترتب عليها إنشاء الالتزامات متبادلة بين العاقدين، كالتزام البائع بتسليم المبيع والمشتري بأداء الثمن في عقد البيع مثلًا.
كما يدخل فيها الشروط الالتزامية الإضافية التي يتلزمها أحد العاقدين باختياره ...
2 -التصرفات التي تتم بالإيجاب المجرد عن القبول، والتي تسمى بالإرادة المنفردة، ويدخل فيها الوقف، والوصية لغير معين، والجعالة، والضمان، والكفالة، والنذور، والأيمان.
أما التصرفات التي تنشأ بغير اختيار الإنسان وإرادته كالفعل الضار (الفعل غير المشروع) ، والفعل النافع (الإثراء بلا سبب) ، والشرع، فإنها مصادر للإلزام لا الالتزام.
المسألة الرابعة: أركان الالتزام.
للالتزام أربعة أركان هي الملتزِم، والملتزَم له، والملتزَم به، والصيغة، وفي ذلك يقول الحطاب المالكي"وأركان الالتزام أربعة كأركان الهبة الملتزِم (بكسر الزاي) والملتزَم له، والملتزَم به، والصيغة فيشترط في كل منها ما يشترط في الهبة كما يدل على ذلك مسائلهم" [2] ، ولم يسبق أحد من الفقهاء المتقدمين الحطاب في حصر أركان الالتزام، والغالب على الظن أنه قد قاله تخريجًا على عقد الهبة كما تشير إلى ذلك عبارته، ويمكن يقال ذلك عند الشافعية والحنابلة بناء على تعريفهم للركن، وأما عند الحنفية فلا يتخرج على مذهبهم إلا ركن واحد للالتزام وهو الصيغة.
أولًا: الصيغة
وهي اللفظ أو ما يقوم مقامه من إشارة أو كتابة ونحوها مما تدل على إلزام الشخص نفسه ما التزمه [3]
ثانيًا: الملتزم له (الدائن)
وهو صاحب الحق، ويشترط أن يكون أهلًا للمعاوضة إن كان الالتزام تبادليًا.
ثالثًا: الملتزم (المدين)
وهو من التزم أمرًا باختياره وإرادته، ويشترط أن يكون أهلًا للمعاوضة إن كان الالتزام تبادليًا، وأن يكون أهلًا للتبرع إن كان الالتزام فرديًا، كما يشترط أن يكون معينًا، لأنه توجه إليه الدعوى، والدعوى لا تقام على مجهول لعدم الفائدة [4] .
رابعًا: الملتزم به (محل الالتزام)
(1) إعلام الموقعين: 1/ 349.
(2) تحرير الكلام: ص68.
(3) تحرير الكلام: ص69.
(4) الذمة والحق والالتزام: ص299.