الصفحة 62 من 405

ومن المعلوم أن الحطاب في تعريفه للالتزام قد حصره في جانب الالتزامات الفردية كما أشرنا إلى ذلك سابقًا، وإذا أضفنا إلى موضوع الالتزامات النوع الثاني، وهو الالتزامات التبادلية فإن محل الالتزام يصبح أشمل وأعم مما ذكره الحطاب، وذلك تبعًا لتنوع موضوع كل التزام.

وهناك أمر آخر وهو أنه هل يعرف في الفقه الإسلامي التزام سلبي أو ما يسمى بالامتناع عن الفعل لمصلحة شخص آخر كالتزام الوديع أن لا يتعدى على الوديعة، والمرتهن أن لا يستعمل العين المرهونة.

وفي بادئ ذي بدء نقول إن الفقه يعرف الالتزامات السلبية كموضوع غير مباشر للالتزام حيث يكون من لوازم العقد ومقتضياته، فعقد الوديعة مثلًا الذي موضوعه الحفظ والائتمان يلتزم المودَع فيه بحفظ الوديعة للمودِع الذي هو الملتزم له، ويترتب على ذلك عدم تعديه أو تفريطها فيها؛ إذ لا يمكن الحفظ إلا بعدم التعدي أو التفريط.

أما أن يكون الالتزام السلبي موضوعًا مباشرًا للعقد، كأن يتعاقد اثنان على عدم دخول أحدهما في مناقصة معينة، أو أن لا يفتح أحد الطرفين محلًا تجاريًا قريبًا من الآخر، فإن بعض الباحثين قد جزم بعدم معرفة الفقه الإسلامي لهذا الالتزام، وأشار إلى أن التعاقد على الامتناع عن عمل معين غير مشروع في الفقه الإسلامي؛ لأن الإنسان لا يلزم بتحمل الضرر المحض وإن رضي به، والامتناع عن العمل المشروع هو ضرر محض لصاحبه.

أقول: هناك إشارات يستفاد منها صحة المعاوضة على الامتناع عن فعل معين في الفقه المالكي، والحنبلي، ومنه ما جاء في المدونة"في الرجل يوصي لأم ولده على أن لا تتزوج قلت: أرأيت إن أوصى لأم ولده بألف درهم على أن لا تتزوج , فقالت: لا أتزوج وقبضت الألف , ثم إنها تزوجت بعد ذلك؟ فقال: شهدت مالكًا وسئل عن امرأة هلك عنها زوجها وأوصى إليها على أن لا تنكح فتزوجت. قال: قال مالك: أرى أن تفسخ وصيتها , فأرى مسألتك مثل هذه تنزع منها الألف إن تزوجت" [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت