كَانَ الْحَافِظُ الْجَلالُ أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمِصْرِيُّ ( ت911) نَادِرَةً مِنْ نَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ ، وَفَذًَّا مِنَ الأَذْكِيَاءِ الْفُهَمَاءِ ، وَأَحْوَذِيًَّا سَابِقًَا فِي مَيْدَانِ التَّصْنِيفِ ، فَلا نَظِيْرَ لَهُ فِي عَصْرِهِ فِي كَثْرَةِ التَّآلِيفِ .
وَتَآلِيفُهُ مُمْتِعَةٌ فِي كُلِّ الْفُنُونِ: التَّفْسِيْرِ وَعُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَالْحَدِيثِ ، وَالْفِقَهِ ، وَالأُصُولِ ، وَالنَّحْوِ وَالصَّرْفِ ، وَالْبَيَانِ وَالْبَدِيعِ ، وَالْبَلاغَةِ وَالإِنْشَاءِ ، وَالْعَرُوضِ وَالْقَوَافِي ، وَالتَّارِيْخِ وَالأَنْسَابِ ، وَالطِّبِّ وَالْحِكْمَةِ ، وَالْمُلَحِ وَالْمَنْثُورَاتِ ، وغيرها .
رَبُّ الْعُلُومِ إِذَا أَجَالَ قِدَاحَهُ ... لَمْ يَخْتَلِفْ فِي فَوْزِهِنَّ اثْنَانِ
ذُو فِطْنَةٍ فِي الْمُشْكَلاتِ وَخَاطِرٍ ... أَمْضَى وَأَنْفَذُ منْ شَباةِ سِنَانِ
وَإِذَا تَفَكَّرَ عَالِمٌ في كُتْبِهِ ... يَبْغِي التُّقَى وَشَرَائِطَ الإِيَمَانِ
مُتَبَيِّنًَا لِلدِّينِ غَيْرَ مُقَلِّدٍ ... يَسْمُو بِهِمَّتِهِ إِلَى الرِّضْوَانِ
أَضْحَتْ وُجُوهُ الْحَقِّ في صَفَحَاتِهَا ... تَهْدِي إِلَيْهِ بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ
مِنْ حُجَّةٍ ضَمِنَ الْوَفَاءَ بِنَصْرِهَا ... نَصُّ الرَّسُولِ وَمُحْكَمُ القُرْآنِ
وَدِلالةٍ تَجْلُو مَطَالِعَ سَيْرِهَا ... غُرُّ الْقَرَائِحِ مِنْ ذَوِي الأَذْهَانِ
حَتَّى تَرَى مُتَبَصِّرًَا فِي دِينِهِ ... مَفْلُولَ غَرْبِ الشَّكِّ بِالإِيقَانِ
اللهُ وَفَّقَهُ لِفِقْهِ كِتَابِهِ ... وَلِنَصْرِ شِرْعَتِهِ بِحُسْنِ بَيَانِ
وَأَمَدَّهُ مِنْ عِنْدِهِ بِمَعُونَةٍ ... حَتَّى أَنَافَ بِهَا عَنِ الأَعْيَانِ
فَلأَنْتَ بَيْنَ الأَجْرِ وَالأَجْرَيْنِ فِي ... خَيْرٍ مِنَ الْمَوْلَى وَرِفْعَةِ شَانِ