قُلْتُ: وَهَذِهِ الْمِئَوِيَّةُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَفُنُونِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا اشْتَهَرَتْ عَنْهُ وَسَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ ، لِكَنَّهَا غَيْضٌ مِنْ بَحْرِ عِلْمِهِ الرَّيَّانِ ، وَفِي بَعْضِهَا أَغْلاطٌ وَأَخْطَاءٌ ، وَالاعْتِذَارُ عَنْهُ: أَنَّهُ كَكُلِّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ ، وَلَوْ نُبِذَ كُلُّ كِتَابٍ لأَخْطَاءٍ فِيهِ أَوْ غَلَطٍ ، أَوْ صَدَرَ مِنْ مُصَنِّفِهِ تَقْصِيْرٌ يَسِيْرٌ أوْ شَطَطٌ ، لِضَاقَتْ سُبُلِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلِّمِ ، وَمَا انْتَفَعَ أَحَدٌ بِدَرْسٍ ، وَلا انْصَتَ إِلَى مُعَلِّمٍ .
وَللهِ دَرُّ شَيْخِ الإِسْلامِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الْمِصْرِيِّ حَيْثُ يَقُولُ: « وَالْحَكِيمُ مَنْ يُقِرُّ الأُمُورَ فِى نِصَابِهَا ، وَيُعْطِي كُلَّ طَبَقَةٍ مَا لا يَلِيقُ إِلاَّ بِهَا . وَأَمَّا السَّهْوُ وَالْغَلَطُ فَمَا أَمْكَنَ تَأْوِيلَهُ عَلَى شَيْئٍ يُتَأَوَّلُ ، وَمَا وُجِدَ سَبِيْلٌ وَاضِحٌ إِلَى تَوْجِيهِهِ حُمِلَ عَلَى أَحْسَنِ مَحْمَلٍ ، وَمَا اسْتَدَّتْ فِيهِ الطُّرُقُ الْوَاضِحَةُ ، وَتُؤُمِّلَتْ أَسْبَابُ حُسْنِهِ أَوْ صِحَّتُهُ فَلَمْ تَكُنْ لائِحَةً ، فَلَسْنَا نَدَّعِي لِغَيْرِ مَعْصُومٍ عِصْمَةً ، وَلا نَتَكَلَّفُ تَقْدِيرَ مَا نَعْتَقِدُهُ غَلَطًَا بِأَنَّ ذَلِكَ أَبْهَجُ وَصْمَةٍ ، فَالْحَقُّ أَوْلَى مَا رُفِعَ عَلَمُهُ ، وَرُوعِيتْ ذِمَمُهُ ، وَوُفِّيتْ مِنَ الْعِنَايَةِ قِسَمُهُ ، وَأَقْسَمُ الْمُحَقِّقُ أَنْ لا يَعَافَهُ فَبَرَّ قَسَمُهُ ، وَعَزَمَ النَّاظِرُ أَنْ يَلْزَمَ مَوْقَفَهُ فَثَبَتَتْ قَدَمُهُ . وَلَكِنْ لا نَجْعَلُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى تَرْكِ الصَّوَابِ الْجَمِّ ، وَلا نَسْتَحِلُّ أَنْ نُقِيمَ فِى حَقِّ الْمُصَنِّفِ شَيْئًَا إلَى ارْتِكَابِ مَرْكِبِ الذَّمِّ ، وَالذَّنْبُ الْوَاحِدُ لا يُهْجَرُ لَهُ الْحَبِيبُ ، وَالرَّوْضَةُ الْحَسْنَاءُ لا تُتْرَكُ لِمَوْضِعِ قَبْرٍ جَدِيبٍ ، وَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ ، وَتَرْكُ الْمَصَالِحِ الرَّاجِحَةِ لِلْمَفَاسِدِ الْمَرْجُوحَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَبَاآتِ ، وَالْكَلامُ يُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضَا ، وَمَنْ أَسْخَطَهُ تَقْصِيْرٌ يَسِيْرٌ فَسَيَقِفُ عَلَى إِحْسَانٍ كَبِيْرٍ فَيَرْضَى .
وَلَوْ ذَهَبْنَا نَتْرُكُ كُلِّ كِتَابٍ وَقَعَ فِيهِ غَلَطٌ ، أَوْ فَرَطَ مِنْ مُصَنِّفِهِ سَهْوٌ أَوْ سَقَطٌ ، لِضَاقَ عَلَيْنَا الْمَجَالُ ، وَقَصَرَ السِّجَالُ ، وَجَحَدْنَا فَضَائِلَ الرِّجَالِ ، وَفَاتَنَا فَوَائِدُ تُكَاثِرُ عَدِيدَ الْحَصَا ، وَفَقَدْنَا عَوَائِدَ هِيَ أَجْدَى عَلَيْنَا مِنْ تَفَارِيقِ الْعَصَا . وَلَقَدْ نَفَعَ اللهُ الأُمَّةَ بِكُتُبٍ طَارَتْ كُلَّ مَطَارٍ ، وَجَازَتْ أَجْوَازَ الْفَلَواتِ وَأثبَاج الْبِحَارِ ، وَمَا فِيهَا إِلاَّ مَا وَقَعَ فِيهِ عَيْبٌ ، وَعُرِفَ مِنْهُ غَلَطٌ بِغَيْرِ شَكٍّ وَلا رَيْبٍ ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ النَّاسُ سَبَبًَا لِرَفْضِهَا وَهَجْرِهَا ، وَلا تَوَقَّفُوا عَنِ الاسْتِضَاءةِ بِأَنْوَارِ الْهِدَايَةِ مِنْ أُفُقِ فَجْرِهَا » اهـ .