فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 203

إن هذا الكلام ليس للعوام، وإنما لأهل النظر المشتغلين بعلوم الشريعة ممن بلغوا مرتبة الاجتهاد ولو في المذهب أو في هذه المسألة، وعلى ذلك أطبقت كلمة العلماء، قال الإمام ابن الصلاح (:(( فليس كلّ فقيه يسوغُ له أن يستقل بالعمل بما رآه حجّة من الحديث... وروينا عن ابن خزيمة الإمام البارع في الحديث والفقه (، أَنهُ قيل له: هل تعرف سنةً لرسول الله ( في الحلال والحرام ، لم يودعها الشَّافعيّ ( كتابه ؟ قال: (( لا ) ). وعند هذا أقول: مَن وجدَ من الشَّافعيين حديثًا يخالف مذهبه نظر: فإن كملت آلات الاجتهاد فيه، إما مطلقًا، وإما في ذلك الباب، أو في تلك المسألة كان له الاستقلال بالعمل بذلك الحديث. وإن لم تكمل فيه آلته، ووجدَ حزازة في قلبه من مخالفة الحديث بعد أن بحث، فلم يجد لمخالفته عنه جوابًا شافيًا، فلينظر هل عمل بذلك الحديث إمام مستقل ؟ فإن وجده، فله أن يتمذهب بمذهبه في العمل بذلك الحديث ، ويكون ذلك عذرًا له في ترك مذهب إمامه في ذلك )) (1) .

وقال الإمام النووي (( 2) : (( إنَّما هذا ـ يعني كلام الشافعيّ ( ـ فيمن له رتبة الاجتهاد في المذهب. وشرطه أن يغلب على ظنه أن الشافعيّ ( لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم صحّته، وهذا إنَّما يكون بعد مطالعة كتب الشّافعيّ كلّها، ونحوها من كتب الأصحاب الآخذين عنه، وما أشبهها، وهذا شرطٌ صعب، قلَّ مَن يتّصف به، وإنَّما اشترطوا ما ذكرنا؛ لأن الشَّافعيّ( ترك العمل بظاهر أحاديث كثيرة رآها، ولكن قام الدَّليل عنده على طعن فيها، أو نسخها، أو تخصيصها، أو تأويلها، ونحو ذلك ) ).

(1) معنى قول الإمام المطلبي (( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) )ص106-107.

(2) في المجموع 1: 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت