فهرس الكتاب
حديث ابن مسعود ( أنه صلَّى أربعًا ـ في منى ـ فقيل له: عبت عثمان ثم صليت أربعًا قال:(( الخلاف شر ) ) (1) .
تبين من هذا أنه وإن كان الراجح عند ابن مسعود ( القصر، ولكنه أتم احترازًا عن الخلاف والشر مع كون الإتمام مرجوحًا عنده، ولكن الذي يظهر أنه كان يرى الإتمام جائزًا أيضًا.
وعلى كل حال ظهر من هذين الحديثين أن الجانب المرجوح إن كان جائزًاَ فاختياره أولى دفعًا للفتنة، فإن لم يكن هناك مساغ للعمل بذلك الجانب المرجوح، بل يلزمه منه ترك واجب أو ارتكاب محظور، ولا يدل عليه دليل سوى القياس ويوجد في الجانب الراجح حديث صحيح صريح، فحينئذ يجب العمل بالحديث من غير أيما تردد…
عن عدي بن حاتم ( قال: (أتيت النبي ( وسمعته يقرأ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ (( 2) ، قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) (3) .
وحاصل هذا الحديث أن أقوال أحبارهم كانت مخالفة لكتاب الله قطعًا ويقينًا، ولكنهم كانوا يؤثرون أقوالهم على كتاب الله فذمت الآية والحديث فعلهم.
وقد جرى تعامل أكابر العلماء والمحققين على وفق هذا، فإنهم كلّما علموا أن قولهم أو قول غيرهم مخالف لأمر الله سبحانه وتعالى أو رسوله ( رجعوا عنه فورًا ) ) .
سادسًا: إن نهي الأئمة عن تقليدهم، غير مقصود منه قطعًا نهي العوام عن تقليد العلماء كما يحتج به هؤلاء القوم، وإنما محمله إن سلِّم صحته عنهم كما وضحته في (( المدخل ) )على ما يلي:
(1) في سنن أبي داود 2: 199، وسنن البيهقي الكبير 3: 143، ومصنف عبد الرزاق 2: 516، وغيرها.
(2) التوبة: من الآية31.
(3) في جامع الترمذي 5: 278، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث.