فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 203

إنه من باب التواضع، فمعلوم أن هذه مسائل ظنية يجتهد الفقيه فيها بقدر وسعه للوصول إلى الصواب، فمَن دعا غيره لتقليده في مثل هذا تكبَّر وتعاظم، وهذا ليس من أخلاق العلماء المخلصين، فكيف يكون خلق الأئمة (.

إنه من باب رفع همم طلاب العلم إلى معرفة أدلّة المسائل الفقهية وعدم الاعتماد على مجرد الأقوال فحسب؛ لحفظ هذا العلم العظيم، ولتطمئن النفوس لهذه الفروع بمعرفة دليلها، لثقة هؤلاء الأئمة بأن مسائلهم مأخوذة من الكتاب والسنة، وهذا معنى قول عصام بن يوسف بن ميمون: (( كنت في مأتم وقد اجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة (:زفر وأبو يوسف وعافية وآخر(، فأجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا ) ) (1) .

إن هذا النهي خاصّ بالمجتهدين، فإن مَن كملت أدوات الاجتهاد لديه لا ينبغي له أن يركن إلى غيره ليقلّده، وإنما الواجب عليه أن يعمل بما رجح عنده، قال العلامة أحمد ظفر التهانوي (( 2) : (( قوله: إن الشافعي( نهى عن تقليده وعن تقليد غيره فمحمله هو المجتهد الذي يعرف الصحيح من السقيم كما يدلّ عليه قوله: لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه؛ لأن من لا يقدر على الاجتهاد كيف ينظر لدينه ويحتاط لنفسه؟ وإنما هو كحاطب ليل يظن الأفعى حطبًا فيأخذه فيلدغه ) ).

قال الإمام الزركشي (3) (:(( إنما نهوا المجتهد خاصّة عن تقليدهم, دون مَن لم يبلغ هذه الرتبة, قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد, وإبطال التقليد؛ لقوله (: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (( 4) ، واستثنى مالك أربع عشرة صورة للضرورة: وجوب التقليد على العوام, وتقليد القائف, إلى آخر ما ذكره )).

(1) ينظر: الجواهر المضية 2: 528، وغيرها.

(2) في مقدمات إعلاء السنن 20: 22.

(3) في البحر المحيط 8: 328.

(4) التغابن: من الآية16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت