فهرس الكتاب
أقول: علمت بما سبق أيها القارئ الكريم أن ما ذكره ليست بقواعد، وإنما هي أوهام وتخيلات تأثر بها الأستاذ من تلاميذ محمد عبده، فتوهمه قواعد وأن الصحابة ( مشوا عليها، خيال في خيال، أراد منه أن يحقق غاية سبق ذكرها عند القاعدة الثالثة، وهي أن الفقهاء ابتدعوا وغيروا في الدين في خلافات لا تنتهي؛ لأنهم كما يتصور الأستاذ تركوا فقه الكتاب والسنة، في حين أن الصحابة ( لم يكن بينهم خلاف فقهي إلا في القليل النادر.
ولكن هذا الادعاء من الأستاذ أيضًا محض توهم، يدرك بطلانه من له أدنى اطلاع على الفقه والسنن والآثار، فأين الأستاذ من (( مصنف ابن أبي شيبة ) )و (( مصنف عبد الرزاق ) )وغيرهما من كتب الآثار التي تذكر الخلاف الفقهي بين الصحابة ( في غالبية المسائل الفقهية إلا ما نقل عنهم فيه إجماع.
ولو كان كلام الأستاذ صحيحًا لما وجدنا خلافًا حصل بين أئمة الفقهاء في غالبية مسائل الدين؛ لأنه لا خلاف بين الصحابة ( فيها، وبالتالي فهي مجمع عليها، وإجماع الصحابة ( حجة شرعية عند فقهاء المذاهب الأربعة بلا خلاف، فلا يسوِّغون لأنفسهم مخالفتها، ولكن نرى أن الخلاف وجد بين الفقهاء؛ لأنه لم يحصل إجماع بين الصحابة ( إلا في مسائل معلومة في محلها، وجرى بينهم الاختلاف في الأعم الأغلب، واستمر هذا الخلاف بين الفقهاء أيضًا.
ونقول للأستاذ أيضًا: ألم تطلع على (( مجموع النووي ) )، أو (( مغني ابن قدامة ) )، أو (( بناية العيني ) )، وغيرها من مطولات الفقهاء التي اعتنت بذكر خلاف المذاهب، ففي بداية كل مسألة منها يذكرون ما حصل في المسألة من خلاف بين الصحابة والتابعين وأئمة الدين، وهكذا، مما ينقض مدَّعاك بعدم الخلاف بين الصحابة ( لتحقق مأربك من نقض هذا الصرح الفقهي العظيم، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه} (1) .
قال الأستاذ:
(1) الصف: من الآية8.