فهرس الكتاب
(( فلمّا جاء أئمة المذاهب الأربعة تبعوا سنن مَن قبلهم، إلا أن بعضهم كان أقرب إلى السنة كالحجازيين الذين كثر فيهم حملة السنة ورواة الآثار، والبعض الآخر كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين الذين قل فيهم حفظة الحديث؛ لتنائي ديارهم عن منزل الوحي ) ).
أقول: إن ما صرَّح به الأستاذ هنا من الطعن المبطَّن في أئمة المذاهب الأربعة وفقههم هو عين ما ذكره محمد رشيد رضا تلميذ محمد عبده في كتابه (( يسر الإسلام وأصول التشريع ) )، وفعلهم هذا ليبيحوا لأنفسهم التملص من أحكام الشريعة التي بيَّنها أئمة المذاهب؛ لأن بعضهم لم يكن لديه حديث؛ ليكون فقه صحيحًا متينًا، والآخر لم يكن لديه رأي دقيق؛ لاعتماده في فقهه على الحديث فحسب، بخلاف هذه المدرسة العصرية المفتعلة فإنها ستقوم بما لم يقم به هؤلاء الأئمة من الجمع بين الرأي والحديث.
قال الإمام الكوثري (1) ( عن محمد رشيد رضا في كتابه هذا:(( ويتصوّر فريقين من الفقهاء، أهل رأي، وأهل حديث، وليس لهذا أصل بالمرّة، وإنما هذا خيال بعض متأخري الشذاذ، أخذًا من كلمات بعض جهلة النقَلة، بعد محنة أحمد... ) ).
فما تخيّله وتصوره محمد رشيد رضا من وجود مدرستين: مدرسة أهل الحديث ممثلة بالمدينة وعلى رأسها الإمام مالك (، ومدرسة أهل الرأي ممثلة بالكوفة وعلى رأسها الإمام أبي حنيفة (، مشى عليه من جاء بعده كالأستاذ وغيره(2) وتوسَّعوا في الكلام والتعليل له بما يطول الكلام فيه، وقد بينت زيف هذا الكلام في (( المدخل إلى دراسة الفقه ) )، وسأذكر هنا بعض النقول منه تبيِّن ذلك:
أولًا: كثرة الحفاظ والمحدثين في الكوفة على عكس ما ادعى الأستاذ:
(1) في مقدمة نصب الراية ص289.
(2) ينظر: المدخل الفقهي العام 1: 167 والمدخل العام لدراسة الشريعة الإسلامية ص114، والمدخل إلى أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامي ص157، والمدخل للتشريع الإسلامي ص150.