فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 203

وقد بيَّن العلامة أبو زهرة ( زيف هذه النظرية، وانتقد المعاصرين القائلين فيها، فقال(1) : (( قد وجدنا أن كتاب تاريخ الفقه في عصرنا يعدون مالكًا ( فقيه أثر لا فقيه رأي، وسايرناهم في بعض كتابتنا السابقة في هذا المقام، وقلنا أن طريقة فقهاء المدينة في الاستنباط تقابل طريقة فقهاء العراق، وأن أهل المدينة يعتمدون على الأثر في أغلب استنباطاتهم وأن العراقيين يغلب على فقههم الرأي، ولكنا عند دراسة مالك خاصة وجدناه فقيه رأي كما هو فقيه أثر، وأن ما يقال عن فقه المدينة في كتابات بعض المعاصرين لا ينطبق تمام الانطباق على فقه مالك ( الذي طبع به الفقه المدني في عصره، وإن كان الرأي الذي ارتضاه مالك ( ليس هو الرأي الذي اختاره أبو حنيفة وأصحابه ( وسائر العراقيين من كل الوجوه، فالفرق بينهما في طريقة الاستنباط لا في مقداره.

وتلك قضية قد لمحناها في دراستنا السابقة، وفحصناها في الدراسة، فوجدنا أن ما أدركناه بلمح النظر، وهو ما انتهينا إليه بعد ترديد البصر….

وبذلك تنهار النظرية التي تقرِّر أن سببَ الإكثار من الرأي هو قلّة العلم بالحديث، فما كان علم مالك ( بالحديث قليلًا، بل كان كثيرًا ولكنّ الحوادث التي وقعت، والمسائل التي سئل فيها كانت أكثر بقدر كبير جدًا، فكان لا بُدّ من الرأي، ولا بُدّ من الإكثار منه، ما دام يفتي ويستفتي، ويجيء إليه الناس من الشرق والغرب سائلين مستفتين ) ) .

وممّا يؤيِّد سقوط مثل هذه النظرية أن ربيعة الرأي سمّي بذلك لاشتهاره في القول بالرأي مع أنه كان أحفظ الناس لحديث رسول الله (، قال ابن الماجشون (:(( والله ما رأيت أحدًا أحفظ لسنَّة من ربيعة ) ) (2) .

(1) في كتاب مالك حياته وعصره ص 17-18.

(2) ينظر: العبر1: 183. والميزان 3: 68، ,غيرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت