فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 203

(( كان من آثار ذلك أن اختلفت الأمة شيعًا وأحزابًا، وحتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي، فقال بعضهم: لا يصح؛ لأنها تشك في إيمانها، وقال آخرون، يصح قياسًا على الذمية، كما كان من آثاره ذلك انتشار البدع، واختفاء معالم السنن، وخمود الحركة العقلية، ووقف النشاط الفكري، وضياع الاستقلال العلمي، الأمر الذي أدى إلى ضعف شخصية الأمة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض، ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الإسلام ) ).

أقول: إن في كل جملة من جمله دسّ للسم في الدسم، وكلامه غير صحيح مطلقًا، بل خلافه هو الصواب؛ لأننا لم نعرف الأحزاب المتلونة بلون الإسلام إلا بعد ظهور هذه المدرسة الإصلاحية، وكنا قديمًا أربعة مذاهب فقهية ملايين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها يدينون الله ( بها، واليوم صرنا فرقًا وأحزابًا وشيعًا لا تعدّ ولا تحصى حتى أنك تجد في المسجد الواحد عدة شيع كل شيخ فيه نصب نفسه إمام في الدين يفتي بما شاء ويجمع حوله بعضه الطلبة ليروج بدعته بينهم.

فهؤلاء الذين يدّعون الاجتهاد لكل فرد، فإنّهم في المدنية الواحدة تجدهم أشتاتًا وأحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون، فيرمي الآخر بأبشع التهم، فكلّ شيخ منهم يتحوطه مجموعة من التلاميذ يرون أن الحقّ معهم فحسب، ولا يتورعون من إنْزال الكفر بغيرهم لمخالفة فقهية يسيرة. قال العلامة يوسف الدجوي (( 1) : (( على أنَّ النَّاس لو أخذوا من القرآن والسنة، كما يريد هؤلاء لما وقف بهم الاختلاف عند حدّ، ولأصبحت المذاهب أربعة آلاف بدلًا من أربعة، ويومئذ يكون كل الويل للمسلمين ـ لا أرانا ذلك اليوم ـ ) ).

وأما تمثيل الأستاذ بزواج الحنفية من الشافعي فهو باطل من وجوه منها:

(1) في الاجتهاد ص57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت