فهرس الكتاب
أقول: هذا مما يؤكد ما سبق قلناه من سوء ظنّ هذا الأستاذ وأمثاله بأمته وعلمائها؛ لأن مقياس النهوض عندهم هو التفلت من أحكام الله (، والتلاعب بشرعه، فمتى رأوا أناس متمسكين بدينهم، زاهدين في دنياهم، مقبلين على آخرتهم، اتهموه بالجمود والتخلف، وإلا فلا معنى لكلامه؛ لأن كتب الفقه نبراس شاهد على الحركة العلمية النشيطة، وكتب التراجم مليئة بالعلماء الكبار العاملين في كل عصر وزمان.
قال الأستاذ:
(( وأخيرًا انتهى الأمر بالتشريع الإسلامي الذي نظم الله به حياة الناس جميعًا، وجعله سلاحًا لمعاشهم ومعادهم، وإلى دركة لم يسبق لها مثيل، ونزل إلى هوة سحيقة، وأصبح الاشتغال به مفسدة للعقل والقلب، ومضيعة للزمن لا يفيد في دين الله، ولا ينظم من حياة الناس.
وهذا مثال لما كتبه بعض الفقهاء المتأخرين: (( عرف ابن عرفة الإجارة فقال: بيع منفعة ما أمكن نقله، غير سفينة ولا حيوان، لا يعقل بعضو غير ناشئ عنها، بعضه يتبعض بتبعيضها. فاعترض عليه أحد تلامذته، بأن كلمة بعض تنافي الاختصار، وأنه لا ضرورة لذكرها، فتوقف الشيخ يومين، ثم أجاب بما لا طائل تحته ) ).
أقول: كلام الأستاذ صحيح في حقّ الله بأنه نزل إلى هوة سحيقة، ولكن هذا عند لعبت مدرسة الإصلاح لعبتها، وعبثت في دين الله (، وصار أمثال هذا الأستاذ مما يؤلفون في الفقه، فلم هناك نفع بهذا الفقه المؤلف، بل هو مضيعة للزمن؛ لأن لا يصلح أن ينظم حياة الناس لأن متخبط متناقض في أحكامه، بالمشتغل فيه لا يعرف كيف يصحح عباداته، فكيف يصحح لغيره، وينظم العلاقات بالمجتمع.
وإنني جازم أن الفقه في عصرنا خرج عن أن يكون فقهًا بمعنى الكلمة، وصار بحال يرثى لها من الضياع والتيه، وتحولت مواده وكتبه إلى كتب ثقافة عامة فيها تعريفات عامة بالإسلام، وتحمل في طياتها من الخلط والإرباك للطالب والقارئ ما يعجز اللسان عن وصفه، وهذا مما حفزني على جمع هذا الكتاب، لعل الله ( ينفع به، ويعيد الحق إلى نصابه.