لكنهم بعد أن امتن الله عليهم بالإسلام أخذوا يتخلون عن ثقافاتهم القومية السابقة ، و ينسحبون من مجتمعاتهم ، رافضين التقاليد الاجتماعية و العادات التي تربوا عليها ، لأنها تتناقض مع الإسلام ، و لأن الدين الجديد الذي اختاروه بإرادتهم الحرة ، يعلمهم تقاليد و عادات بديلة ، و يكسبهم ثقافة مختلفة .
ويرى فيليبوفيتش أيضًا أن هؤلاء المسلمين الذين كانو متباينين عرقيًا و قوميًا ، حتى أضحى الإسلام يقربهم ، و أضحت تقاليدهم تختلف عن تقاليد الأقوام الأخرى و مع الصراعات السياسية و العرقية بينهم و بين الشعوب المجاورة التي اضطهدتهم و حاولت ردهم عن الإسلام ، نشأت مصالح و آمال و آلام عمَّقت و حدتهم و ترابطهم ، و قوَّت وشائج الأخوة بينهم ، و جعلت أساسها الوحيد هو الإسلام [1] .
لقد أصبح الإسلام أخيرًا في هذه البقعة من العالم الإسلامي ، قوميَّةً لشعبٍ جديد لم يكن له وجود يذكر من قبل ، كما يرى فيليبوفيتش و الرئيس علي عزت من بعده ، بل و جلُّ المثقفين المسلمين في البوسنة و الهرسك .
و هم بذلك يوافقون العلامة محمد الخانجي الذي يُعتبر أبرز علماء البوسنة في العصر الحديث ، و قد قال رحمه الله: (( و من خصال مُسلمي تلك البلاد حبُّهم لسائر المسلمين حبًا بالغًا ، و اعتقادهم أن كلَّ مُسلمٍ و إن نأت به البلاد أخٌ لهم ... و لكلِّ جمعية أين كانت و متى كانت رابطةٌ ، و رابطة المسلمين هي الرابطة الإسلاميَّة وحدَها ، لا يعرفُ الإسلام قوميَّة و لا عصبيَّة جاهليَّة ) ) [2] .
فلنعد إلى أصولنا ، كي نرقَ بأمَّتنا .
خامسًا: العمل الإسلامي الجماعي:
(1) 1 ... انظر: محمد خليفة: الإسلام و المسلمون في بلاد البلقان ، ص: 125 ، 126 و 449 ، 450.
(2) ... الجوهر الأسنى ، للشيخ الخانجي ، ص: 19 .