فهرس الكتاب
وقال في الفتح: أول كتاب الصيام، لما ذكر احتجاج البخاري بقوله ـ تعالى ـ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} الآية، قال: أشار بذلك إلى مبدأ فرض الصيام، وكأنه لم يثبت عنده على شرطه فيه شيء، فأورد ما يشير إلى المراد، فإنه ذكر فيه ثلاثة أحاديث، حديث طلحة الدال على أنه لا فرض إلاَّ رمضان، وحديث ابن عمر وعائشة المتضمن الأمر بصيام عاشوراء، وكأن المصنف أِشار إلى أن الأمر في روايتهم محمول على الندب، بدليل حصر الفرض في رمضان، وهو ظاهر الآية لأنه ـ تعالى ـ قال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} ثم بينه فقال: {شهر رمضان} .
وقد اختلف السلف: هل فرض على الناس صيام قبل رمضان أم لا؟ فالجمهور، وهو المشهور عند الشافعية: أنه لم يجب قط صوم قبل رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية، أول ما فرض صيام عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ، فمن أدلة الشافعية: حديث معاوية مرفوعًا: «لم يكتب الله عليكم صيامًا» وسيأتي في آخر الصيام، ومن أدلة الحنفية: ظاهر حديثي ابن عمر وعائشة، المذكورين في هذا الباب بلفظ الأمر، وحديث الرُّبَيِّع بنت معوذ، عند مسلم «من أصبح صائمًا فليتم صومه» قلت: فلم نزل نصوم ونصوّم صبياننا وهم صغار، حتى فرض رمضان. . . الحديث، وحديث أم سلمة مرفوعًا «من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم» الحديث، وبنوا على هذا الخلاف، هل يشترط في صحة الصوم الواجب بنية من الليل أم لا؟ انتهى. هذا ما يتعلق بقوله ـ تعالى ـ {أيامًا معدودات} .
ثم قال ـ تبارك وتعالى ـ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فأباح ـ سبحانه ـ للمريض والمسافر، الفطر في رمضان، لوجود المشقة فيه غالبًا، رحمة منه وتفضلًا على عباده المؤمنين، وأوجب عليهما قضاء ذلك إذا زال المرض والسفر، اللذان علق بهما جواز الفطر عند الجمهور، أو وجوبه عند بعض السلف والخلف، وأخبر أنه عدة من أيام أخر، فدل على عدم وجوب التتابع.
ثم قال ـ تعالى ـ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فأباح - سبحانه وتعالى - للذين يطيقون الفطر، وإن كانوا صحيحين مقيمين، وأوجب عليهم فدية طعام مسكين لكل يوم، وهذا على القراءة المشهورة، وهي الموجودة في المصاحف اليوم، وهذا قول معاذ بن جبل، وغير واحد من السلف والخلف وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع: أنها نزلت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت التي بعدها فنسختها، وروى أيضًا من حديث نافع عن ابن عمر قال: هي منسوخة.
وروى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فقال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.
فحاصل الأمر: أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم، بإيجاب الصوم عليه، بقوله ـ تعالى ـ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وأما الشيخ الفاني الهرم، الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جدة أم لا؟ فيه قولان للعلماء، والمقصود: أن الله - سبحانه وتعالى - نص على جواز الفطر في رمضان للمريض والمسافر، وهذا مجمع عليه بين العلماء فيما علمناه، مع وجوب القضاء عليهما.
فصل: وأما إذا كان المسافر مقيمًا مدة غير معلومة، بل لا يدري متى تنقضي حاجته، فمتى انقضت سار من مكانه إلى مقصوده الذي يريده، فهو في حكم السفر على الصحيح من أقوال العلماء، بل قد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك، قال في الشرح الكبير: قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة ولو أتى عليه سنون، انتهى.
وقد اختلف العلماء في عدد المدة التي إذا أجمع المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام والصيام اختلافًا كثيرًا، فالمشهور في مذهب أحمد: أنه إذا نوى الإقامة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم وإلَّا قصر، قال في الشرح الكبير: المشهور عن أحمد أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام، إذا نوى الإقامة فيها أكثر من إحدى وعشرين صلاة، رواه الأثرم وغيره، وهو الذي ذكره الخرقي، وعنه: إن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام، ثم حكى هذا أبو الخطاب، وابن عقيل، وعنه: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإلاِّ قصر، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وروى عن عثمان وعن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا، لأن الثلاثة حد القلة، لقوله عليه السلام: «يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثًا» فدل أن الثلاثة في حكم السفر، وما زاد في حكم الإقامة.