الصفحة 103 من 214

وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن أقام خمسة عشر يومًا مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دونه قصر، ويروى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث بن سعد، لما روى عن ابن عمر وابن عباس أنهما قالا: إذا قدمت وفي نفسك أن تقيم بها خمسة عشر ليلة فأكمل الصلاة، ولا يعرف لهما مخالف، وروي عن علي قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرًا ويقصر الذي يقول: أخرج اليوم، أخرج غدًا، وعن ابن عباس أنه قال: يقصر إذا أقام تسعة عشر يومًا، ويتم إذا زاد، لأن النبي أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين، قال ابن عباس: فنحن إذا أقمنا تسعة عشر نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا، رواه البخاري.

وقال الحسن: صل ركعتين ركعتين، إلَّا أن تقدم مصرًا فأتم الصلاة وصم، وقالت عائشة: إذا وضعت الزاد والمزاد فأتم الصلاة، وكان طاووس إذا قدم مكة صلى أربعًا.

ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة نصلي ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة، متفق عليه، وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة لصبح رابعة، فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يؤم الناس، وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يقيم كما أقٌام النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر، وإذا أجمع أكثر من ذلك أتم.

قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يذكر حديث أنس في الإجماع على الإقامة للمسافر، فقال: هو كلام لا يفقهه كل أحد، فقوله أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرًا يقصر الصلاة، وقال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لصبح رابعة، وخامسة وسادسة وسابعة، ثم قال: وثامنة يوم التربوية، وتاسعة وعاشرة، فإنما وجه حديث أنس: أنه حسب مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ومنى، وإلَّا فلا وجه له عندي غير هذا، فهذه أربعة أيام، وصلاة الصبح بها يوم التروية تمام إحدى وعشرين صلاة، فهذا يدل على أن من أقام أحدى وعشرين صلاة يقصر، وهي تزيد على أربعة أيام، وهو صريح في خلاف قول من حد بأربعة أيام.

وقول أصحاب الرأي: لا يعرف لهما مخالف من الصحابة لا يصح، لأنه قد ذكرنا الخلاف فيه عنهم، وحديث ابن عباس في إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - تسع عشرة، وجهه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجمع الإقامة، قال أحمد: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة زمن الفتح ثماني عشرة، لأنه أراد حنينًا ولم يكن ثم أجمع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس، وهو دليل على قول الحسن، انتهى كلامه.

وقد حمل الحافظ ابن حجر حديث ابن عباس على غير ما حمله أحمد، وأن مراد ابن عباس بذلك تحديد مدة الإقامة التي أقامها النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة زمن الفتح، فقال رحمه الله: باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر، قوله: ونحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا ظاهره: أن السفر إذا زاد على تسعة عشر لزم الإتمام، وليس ذلك المراد، وقد صرح أبو يعلى في روايته عن شيبان، عن أبي عوانة في هذا الحديث بالمراد، ولفظه: وإذا سافرنا فأقمنا في موضع تسعة عشر، ويؤيده صدر الحديث، وهو قوله أقام، وللترمذي من وجه آخر عن عاصم، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلينا أربعًا.

قوله في حديث أنس: أقمنا بها عشرًا لا يعارض ذلك حديث ابن عباس المذكور، لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع، ثم قال: وسيأتي بعد باب من حديث ابن عباس، قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لصبح رابعة. . . الحديث، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابعة عشر، فيكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها كما قال أنس، ويكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر بمنى ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا قام ببلد أربعة أيام قصر، وقال أحمد: إحدى وعشرين صلاة.

وأما قول ابن رشد: أراد البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس، في أن إقامته عشرة داخل في إقامته تسعة عشر، فأشار بذلك إلى أن الأخذ بالزائد متعين، ففيه نظر لأن ذلك إنما يجيء على اتحاد القصتين، والحق أنهما مختلفتان، فالمدة التي في حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لا ينوي الإقامة، بل كان مترددًا حتى تهيأ له فراغ حاجته ويرحل، والمدة التي في حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - في أيام الحج كان جازمًا بالإقامة تلك المدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت