فهرس الكتاب
ووجه الدلالة من حديث ابن عباس: أنه لما كان أن الأصل في المقيم الإتمام، فلما لم يجيء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أقام في حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر، وفيه: أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وإطلاق اسم البلدة على ما جاورها وقرب منها، لأن منى وعرفة ليسا من مكة، ثم ذكر كلام أحمد في حديث أنس المتقدم، وقال المحب الطبري: أطلق على ذلك إقامة بمكة لأن هذه مواضع النسك، وهي في حكم التابع بمكة، لأنها المقصودة بالأصالة، لا يتجه سوى ذلك، كما قال الإمام أحمد والله أعلم.
وقال أيضًا قبل ذلك في حديث ابن عباس: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة تسعة عشر يومًا بلياليها، زاد في المغازي من وجه آخر عن عاصم وحده بمكة، فكذا رواه ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأصبهاني عن عكرمة، وأخرجه أبو داود من هذا الوجه بلفظ سبعة عشر، بلفظ تقديم السين، وكذا أخرجه من طريق حفص بن غياث عن عاصم، وقال عباد عن عكرمة: تسعة عشر، كذا ذكرها معلقة، وقد وصلها البيهقي.
ولأبي داود أيضًا من حديث عمران بن حصين، غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلاَّ ركعتين، وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن عبد الله بن عباس أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة.
وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف: بأن من قال تسع عشرة، عد يومي الدخول والخروج، ومن قال سبع عشرة حذفهما، ومن قال ثماني عشرة عد أحدهما، وأما رواية خمس عشرة فضعفها النووي في الخلاصة وليس بجيد، لأن رواتها ثقاة، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، وقد أخرجها النسائي في رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الرواي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية تسع عشرة أرجح الروايات، وبها أخذ إسحاق بن راهوية، ويرجحها أيضًا: أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة.
وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمس عشرة بكونها أقل ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن يزمع [1] الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم على خلاف بين أصحابه في دخول يوم الدخول والخروج فيها أو لا وحجته حديث أنس الذي يليه، انتهى. وفيه نوع تلخيص وتقديم وتأخير.
وأنت ـ رحمك الله ـ إذا تأملت هدية - صلى الله عليه وسلم - في أسفاره، وأنه يقيم في بعضها المدة الطويلة والقصيرة، بحسب الحاجة والمصلحة، ولم ينقل أحد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال إذا أقام أحدكم أربعة أيام في مكان أو بلد أو أكثر أو أقل من ذلك، فليتم صلاته وليصم، ولا يترخص برخص السفر التي جاءت بها الشريعة السمحة، مع أن الله - سبحانه وتعالى - فرض عليه البلاغ المبين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، تبين لك: أن الصواب في هذه المسألة، ما اختاره غير واحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أن المسافر: يجوز له القصر والفطر، ما لم يجمع على إقامة أو يستوطن، فحينئذ يزول عنه حكم السفر، ويكون حكم المقيم.
هذا هو الذي دل عليه هدية - صلى الله عليه وسلم - كما قال ابن القيم رحمه الله في الكلام على فوائد غزوة تبوك، قال: ومنها أنه - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة لا يقصر رجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة؛ وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرجه عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن، ولا عازم على الإقامة في ذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، الحديث. وظاهر كلام أحمد: أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح، فإنه قال: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة زمن الفتح، لأنه أراد حُنَيْنًا، ولم يكن ثم أجمع المقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس؛ وقال غيره بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك، كما قال جابر: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة، رواه أحمد.
(1) أزمع، أي: أجمع.