الصفحة 105 من 214

وقال المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة، يقصرها سعد ونتمها؛ وقال نافع: أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر فصلى ركعتين، وقد حال الثلج بينه وبين القفول؛ وقال حفص بن عبد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة مسافر؛ وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة؛ وقال الحسن: أقمنا مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل يقصر الصلاة ولا يجمع، وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين وأكثر من ذلك، لا يجمعون ولا يشرقون، فهذا هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كما ترى، وهو الصواب.

ثم ذكر مذاهب الناس التي تقدمت، وأن أحمد حمل الآثار على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يجمعوا الإقامة البتة، بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدًا نخرج، وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة، وهي ما هي؟ وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام، ويهدم قواعد الشرك، ويمهد ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا: أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام، ولا يتأتي في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك، فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعًا: أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر، يقصر الصلاة من أجل الثلج، ومعلوم أن مثل هذا الثلج لا يذوب ويتحلل في أربعة أيام، بحيث تنفتح الدروب، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر الصلاة، وإقامة الصحابة برامهرمز سبعة أشهر يقصرون، ومعلوم أن مثل هذا الجهاد والحصار يعلم أنه لا ينقضي في أربعة أيام.

وقد قال أصحاب أحمد: لو أقام لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض قصر، سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة، فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر، وهي: ما دون الأربعة الأيام، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أقام زيادة على الأربعة الأيام يقصر بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًا، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام، وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته، يتأسون به في قصرها في مدة إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتداء الصحابة بعده، ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئًا من ذلك.

ثم ذكر أقوال الناس، ثم قال: والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها، يقول اليوم أخرج، غدًا أخرج، فإنه يقصر أبدًا، إلاَّ قول الشافعي في أحد قوليه، فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر، أو ثمانية عشر، ولا يقصر بعدها، وقد قال ابن المنذر في إشرافه: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون، انتهى، وهذا الإجماع الذي حكاه ابن المنذر فيه نظر لا يخفى، وأظن أن مراده بذلك إجماع الجمهور، والله أعلم.

فصل: والذين يجوز لهم الفطر في رمضان أنواع: النوع الأول: المجمع عليه، وهو ما نص الله عليه في كتابه، في قوله ـ تعالى ـ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: 184] وهو المريض، والمسافر، فهذان نوعان، مجمع على جواز الفطر لهما في الجملة. النوع الثالث: ما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، من قوله ـ تعالى ـ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} وما فهموا على القراءة الأخرى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي يكلفونه ويشق عليهم، وهم أنواع كثيرة.

الأول: الحامل التي تخاف على نفسها وولدها، الثاني: المرضع التي تخاف على ولدها، سواء كانت بأجرة أو بغير أجرة، والولد لها أو لغيرها.

الثالث: الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، اللذين يشق عليهما الصيام، الرابع: صاحب العطش الذي يشق عليه الصيام، فكل هؤلاء الأنواع الأربعة، ثبت عن الصحابة جواز الفطر لهم، فمنهم من أوجب القضاء على هؤلاء مع الفدية، ومنهم من أوجب الفدية دون القضاء قال أحمد في رواية صالح: المرضع والحامل تخاف على نفسها، تفطر وتقضي وتطعم، أذهب إلى حديث أبي هريرة.

وأما ابن عباس وابن عمر يقولان: تطعم ولا تقضي، وكان ابن عباس يقرؤها {يطوّقونه} قال: يكلفونه، ومن قرأ {يُطِيقُونَهُ} فإنها منسوخة، نسخها قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] فقد ثبت عن ثلاثة من الصحابة وجوب الفدية، ولا يعرف لهم مخالف، واختلفوا في القضاء، وعن عطاء عن ابن عباس، كان يرخص في الفطر في رمضان للشيخ الكبير والحامل، والمرضع، ولصاحب العطش أن يفطروا ويطعموا عن كل يوم مسكينًا، رواه سعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت