الصفحة 106 من 214

وأما الظئر التي ترضع ولدها بأجرة أو بدونها، فذكر ابن عقيل أنها تستبيح الفطر، كاستباحته لولدها، لأن أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق، فهي كالمسافر في المضاربة يستبيح بسفره ما يستبيح بالسفر لنفسه، وطرده العمل في الصنائع الشاقة، إذا بلغت منه الجهد، وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإفطار لم يبح في حقه، ولا في حق غيره، ومن لم يمكنه إنجاء شخص من المهلكة إلَّا بالفطر، مثل أن يكون غريقًا أو يريد أحد أن يقاتله أفطر، وكذلك إذا أحاط العدو ببلد، وكان الصوم المفروض يضعفهم، فهل يجوز لهم الفطر؟ على روايتين، ذكرهما الخلال في كتاب السير.

وقال في الإنصاف: ونقل حنبل إذا كانوا بأرض العدو، وهم بالقرب، أفطروا عند القتال، واختار الشيخ تقي الدين: الفطر للتَّقَوِّي على الجهاد، وفعله هو وأمر به لما نزل العدو دمشق، وقدمه في الفائق، وهو الصواب، قال: ولو خاف بالصوم ذهاب ماله، يعني أفطر، وقال في الشرح الكبير: والصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادة المرض في إباحة الفطر، لأنه في معناه، قال الإمام أحمد فيمن به شهوة غالبة، يخاف أن تنشق انثياه، فله الفطر.

وقال في الجارية: تصوم، فإن جهدها الصوم فلتفطر ولتقض، يعني إذا حاضت وهي صغيرة، قال القاضي: هذا إذا كانت تخاف المرض بالصيام، فيباح لها الفطر، وإلاَّ فلا، وذكر الشيخ تقي الدين في شرح العمدة حديثاُ يشهد لهذه الرواية، وهو عن أبي العلا بن الشخير، عن عائشة: أنه أجهدها العطش وهي صائمة، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تفطر وتقضي مكانه يومًا، قال رواه حرب بإسناد جيد، انتهى. والله ـ سبحانه ـ أعلم.

فصل: فظهر بما ذكرناه الجواب عن قول السائل ألهمه الله الصواب، وعلى القول بالجواز، هل يجب إذا كنا مجمعين على الإقامة مدة غير معلومة؟ إن ذلك لا يجب على القول الصحيح من أقوال أهل العلم، وإنما الإشكال في الاستحباب أو الجواز، فإذا تقرر: أن إقامة المسافر في مدة غير معلومة، أو معلومة لكنه لم ينو الاستقرار والاستيطان، أن ذلك لا يقطع حكم المسافر، بقي الكلام في استحباب الصيام في السفر أو جوازه.

فاعلم أن هذه المسألة: اختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا، فذهب عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، أن ذلك لا يجوز، فإن صام أمر بالإعادة، قال أحمد - رحمه الله: عمر وأبو هريرة يأمرانه بالإعادة، وروى الزهري عن أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، أنه قال: الصيام في السفر كالفطر في الحضر، وهو قول أبي محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصوم في السفر» متفق عليه، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - أفطر في السفر، فلما بلغه أن قومًا صاموا، قال: «أولئك العصاة» وروى ابن ماجة بإسناده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصائم في رمضان في السفر كالمفطر في الحضر» .

قال في الشرح: وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول، قال ابن عبد البر: هذا قول يروى عن عبد الرحمن بن عوف، هجره الفقهاء كلهم، والسنة ترده، وحجتهم ما روى عن حمزة بن عمرو الأسلمي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إن شئت فصم» متفق عليه، وحديث أنس: كنا نسافر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعب الصائم على ا لمفطر، ولا المفطر على الصائم، متفق عليه، قال: وأخبارهم محمولة على تفضيل الفطر، انتهى.

ففي هذا دليل على أن الشارح وغيره من الأصحاب، وافقوا على نفي الاستحباب، ومن تأمل أدلة الفريقين حق التأمل، وترك التعصب والتقليد تبين له أن غاية الأمر هو الجواز، مع ما يعارضه من الأدلة، التي هي آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر، من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله، كما قاله الزهري وغيره في هذه المسألة، وأما الاستحباب: فالأدلة الصحيحة الصريحة تدل على نفي ذلك لمن تأمل، مع أنه قد قال بذلك طائفة من السلف.

وقد قال أبو محمد بن حزم في المحلي: فأما قولنا إنه لا يجوز الصوم في السفر، فإن الناس اختلفوا، فقالت طائفة: من سافر بعد دخول رمضان فعليه أن يصومه كله، وقالت طائفة بل هو مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر، وقالت طائفة لا بد له من الفطر لا يجزيه صوم، ثم افترق القائلون بتخييره، فقالت طائفة الصوم أفضل، وقالت طائفة الفطر أفضل، وقالت طائفة هما سواء، وقالت طائفة لا يجزئه الصوم، ولا بد له من الفطر، فروينا القول الأول عن علي، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب قال: «من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم، لأن الله ـ تعالى ـ قال: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وعن عبيدة مثله، ومن طريق ابن عباس مثله، وروى عن عائشة أم المؤمنين: أنها نهت عن السفر في رمضان، وعن أبي مجلز، وإبراهيم النخعي مثله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت