الصفحة 107 من 214

وأما الطائفة المجيزة للصوم والفطر، المختارة للصوم، فهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، فشغبوا بقول الله ـ تعالى ـ: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} واحتجوا بأخبار، منها حديث سلمة بن المحبق، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كانت له حمولة تأوى إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه» ومن طريق أبي سعيد وأبي الدرداء وجابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بالفطر وهو صائم فترددوا، فأفطر هو عليه السلام، وذكروا عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تصوم في السفر وتتم الصلاة، وعن أبي موسى أنه كان يصوم في رمضان في السفر، وعن عثمان بن أبي العاص وابن عباس: الصوم أفضل، وعن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، مثله، وعن طاووس: الصوم أفضل، وعن الأسود بن يزيد مثله.

واحتج من رأى الأمرين سواء، بحديث حمزة بن عمرو الأسلمي، أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر، فقال: «أي ذلك شئت يا حمزة» وبحديث مرسل عن الغطريف أبي هارون، أن رجلين سافرا، فصام أحدهما وأفطر الآخر، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «كلاكما أصاب» وبحديث أبي سعيد وجابر، كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، وعن عطاء إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر.

وأما من رأى الفطر أفضل، فاحتجوا بحديث حمزة بن عمرو «هي رخصة من الله ـ تعالى ـ، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» وممن روينا عنه اختيار الفطر على الصوم: سعد بن أبي وقاص، صح عن ابن عمر أنه كان لا يصوم في السفر، وكان معه رفيق، وكان يقول: يا نافع اصنع له سحوره، قال نافع: كان ابن عمر يقول: رخصة ربي أحب إلي، وإن آجر لك أن تفطر في السفر.

قال أبو محمد: ولسنا نقول بشيء من هذه الأقوال، فنحتاج إلى ترجيح بعضها على بعض، لأن كلها متفقة على جواز الصوم في رمضان في السفر، وهو خلاف قولنا، وإنما يلزمنا دفعها كلها من أجل ذلك، فنقول وبالله نتأيد ونستعين.

أما قول الله ـ تعالى ـ: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فقد أتى كبيرة من الكبائر، وكذب كذبًا فاحشًا، من احتج بها في إباحة الصوم في السفر؛ لأنه حرف كلام الله عن مواضعه، نعوذ بالله من مثل هذا، وهذا عار لا يرضاه محقق، لأن نص الآية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} إلى قوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وإنما نزلت هذه الآية في حال الصوم المنسوخة، وذلك أنه كان الحكم في أول نزول صوم رمضان، من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم مكان كل يومٍ مسكينًا، وكان الصوم أفضل، هذا نص الآية، وليس للسفر فيها مدخل أصلًا، ولا للإطعام مدخل في الفطر في السفر أصلًا؛ وبهذا جاءت السنن، ثم ذكر الأحاديث، والآثار في ذلك.

ثم قال: وأما حديث ابن المحبق، من كانت له حمولة. . . الخ، فحديث ساقط، لأنه من رواية عبد الصمد بن حبيب، وهو بصري لين الحديث، عن سنان بن سلمة بن المحبق، وهو مجهول؛ وأما حديث الغطريف وأبي عياض، فمرسلان، ولا حجة في مرسل، وأما حديث حمزة بن عمرو، فإنه من رواية ابن ابنه، حمزة بن محمد بن حمزة، وهو ضعيف، وأبوه كذلك، وإنما الثابت من حديث حمزة، هو كما نذكره ـ إن شاء الله تعالى ـ.

وأما حديث أبي سعيد، وأبي الدرداء وجابر، فلا حجة لهم في شيء منها، لوجهين: أحدهما: أنه ليس في شيء منها أنه - صلى الله عليه وسلم - كان صائمًا في رمضان، وإذ ليس ذلك فيها فلا يجوز القطع بذلك، ولا الاحتياج باختراع ما ليس في الخبر على القرآن، وقد يمكن أن يكون صائمًا متطوعًا. والثاني: أنه لو كان ذلك فيها نصًا لما كان لهم فيه حجة، لأن آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيجاب الفطر في رمضان في السفر، فلو كان صوم رمضان في السفر قبل ذلك مباحًا، لكان منسوخًا بآخر أمره - صلى الله عليه وسلم -، كما نذكره إن شاء الله.

وأما احتجاج من أوجب الصوم في السفر، لمن أهل عليه الشهر في الحضر، بقوله ـ تعالى ـ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فلا حجة لهم في هذه الآية؛ لأن الله ـ تعالى ـ لم يقل فمن شهد منكم بعض الشهر فليصمه، وإنما أوجب ـ تعالى ـ صيامه على من شهد الشهر، لا على من شهد بعضه، ثم يبطل قولهم أيضًا: قول الله ـ تعالى ـ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فجعل السفر والمرض ناقلين عن الصوم فيه إلى الفطر، وأيضًا: فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صح عنه أنه سافر في رمضان عام الفتح فأفطر، وهو أعلم بمراد ربه ـ تعالى ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت