فهرس الكتاب
قال أبو محمد: فإذا لم يبق لهم حجة لا من قرآن، ولا من سنة، فلنذكر البراهين على حجة قولنا بحمد الله ـ تعالى ـ وقوته، ثم ذكر حجته بالآية {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} قال: وهذه الآية محكمة بإجماع أهل الإسلام لا منسوخة ولا مخصوصة، ثم ذكر حديث جابر أولئك العصاة، وقوله: «ليس من البر الصيام في السفر» وحديث عبد الله بن الشِّخِّير: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له، وقد دعاه إلى الغدا «أتدري ما وضع الله عن المسافر» قلت: ما وضع الله عن المسافر؟ قال: «الصوم وشطر الصلاة» قال وهذه آثار متواترة متظاهرة، لم يأت شيء يعارضها، فلا يجوز الخروج عنها.
فإن قيل: فإن هذه الأخبار مانعة كلها بعمومها من كل صوم في السفر، وأنتم تبيحون فيه كل صوم إلاَّ رمضان وحده، قلنا: نعم، لأن النصوص قد جاءت بمثل ما قلنا، لأن الله ـ تعالى ـ قال: {? ? ? إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } [البقرة: 196] فافترض ـ تعالى ـ صوم الثلاثة الأيام في السفر ولا بد، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحض على الصوم يوم عرفة، ما سنذكره إن شاء الله، وهو في السفر لمن كان حاجًا، وقال - صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الصيام صيام داود، يصوم يومًا ويفطر يومًا» فعم ولم يخص، وقال - صلى الله عليه وسلم: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله النار عن وجه» فحض على الصوم في السفر، فوجب الأخذ بجميع النصوص.
فخرج رمضان في السفر بالمنع وحده، وبقي سائر الصوم واجبه وتطوعه على جوازه في السفر، ولا يجوز ترك نص لآخر، ثم ذكر الآثار عن عمر، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير والشعبي والزهري، وعلي بن الحسين ومحمد ابنه، والقاسم بن محمد، ويونس بن عبيد: أنهم أنكروا الصيام في السفر، فمنهم من يأمره بالقضاء، ومنهم من ينكره ولم يذكر عنه الأمر بالقضاء، انتهى ملخصًا.
وقال الحافظ ابن حجر في شرح باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن ظلل عليه اشتد عليه الحر «ليس من البر الصيام في السفر» لما ذكر أقوال الناس في المسألة، قال: والذي يترجح قول الجمهور، لكن يكون الفطر أفضل لمن اشتد عليه الصوم وتضرر به، وكذلك من ظن به الإعراض عن قبول الرخصة، وقد روى أحمد بن حنبل من طريق أبي طعمة، قال: قال رجل لابن عمر: إني أقوى على الصوم في السفر، فقال له ابن عمر: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة. وهذا محمول على من رغب عن الرخصة، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «من رغب عن سنتي فليس مني» .
وكذلك من خاف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر، فقد يكون الفطر أفضل له، وقد أزال ذلك ابن عمر، فروى الطبري من طريق مجاهد، قال: إذا سافرت فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك اكفوا الصائم، ادفعوا للصائم، وقاموا بأمرك، وقالوا فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك، ومن طريق مجاهد أيضًا عن جنادة بن أبي أمية، عن أبي ذر نحو ذلك، وستأتي في الجهاد، ومن طريق مورق عن أنس نحو هذا مرفوعًا، حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المفطرين لما خدموا الصيام «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» .
واحتج من منع الصوم أيضًا: بما وقع في الحديث الماضي: أن ذلك كان آخر الأمرين، وان الصحابة كانوا يأخذون بالآخر، من فعله - صلى الله عليه وسلم -، فزعموا أن صومه - صلى الله عليه وسلم - في السفر منسوخ.
ونعقب أولًا: بما تقدم من أن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري، وبأنه استند إلى ظاهر الخبر، من أنه - صلى الله عليه وسلم - أفطر بعد أن صام، ونسب من صام إلى العصيان، ولا حجة في شيء من ذلك، لأن مسلمًا أخرج من حديث أبي سعيد أنه - صلى الله عليه وسلم - صام بعد هذه القصة في السفر، ولفظه: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» وكانت عزيمة فأفطرنا، ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك في السفر، وهذا الحديث نص في المسألة، ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته - صلى الله عليه وسلم - الصائمين إلى العصيان، لأنه عزم عليهم فخالفوه، وهو شاهد لما قلناه، من أن الفطر أفضل لمن يشق عليه الصوم، ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوى به على لقاء العدو.
وروى الطبري في تهذيبه، من طريق خيثمة: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر؟ فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، فقلت له أين هذه الآية: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعًا، وننزل على غير شبع، وأما اليوم: نرتحل شباعًا، وننزل على شبع، وأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم.