فهرس الكتاب
وأما الحديث المشهور «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» فقد أخرجه ابن ماجة مرفوعًا، من حديث ابن عمر، بسند ضعيف؛ وأخرجه الطبراني من طريق أبي سلمة، عن عائشة أيضًا، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، رواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعًا، والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائي وابن المنذر، ومع وقفة فهو منقطع، لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه، وعلى تقدير صحته، فهو محمول على ما تقدم أولًا، حيث يكون الفطر أولى من الصوم، والله أعلم.
وأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم: «ليس من البر الصيام في السفر» فسلك المجيزون فيه طرقًا، فقال بعضهم قد خرج على سبب فيقتصر عليه، وعلى من كان في مثل حاله، وإلى هذا جنح البخاري في ترجمته، وكذا قال الطبري بعد أن ساق نحو حديث الباب، من رواية كعب بن عاصم الأشعري، ولفظه: سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في حر شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة، وهو مضطجع كهيئة الوجع، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما لصاحبكم؟ أيّ وجع به» قالوا: ليس به وجع، ولكنه صائم وقد اشتد عليه الحر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ليس البر أن تصوموا في السفر، عليكم برخصة الله التي رخص لكم» قال فكان قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن كان في مثل تلك الحال.
وقال ابن دقيق العيد: أخذ من هذه القصة، أن كراهية الصوم في السفر، مختصة لمن هو في مثل هذه الحالة، ممن يجهده الصوم ويشق عليه، أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب، فينزل قوله «ليس من البر الصوم في السفر» على مثل هذه الحال، قال: والمانعون من الصيام في السفر، يقولون: إن اللفظ عام، والعبرة بعمومه لا بخصوص السبب، قال: وينبغي أن يتنبه للفرق بين الأدلة، السبب والسياق والقرائن، على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد حمل ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصة سرقة رداء صفوان، وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم، فهو المرشد لبيان المجملات وتعيين المحتملات، كما في حديث الباب، وحمل الشافعي نفي البر المذكور في الحديث، على من أبي قبول الرخصة، قال: ويحتمل أن يكون معناه، ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم، وجزم ابن خزيمة وغيره بالمعنى الأول.
وقال الطحاوي: المراد بالبر هنا الكامل، الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد به إخراج الصوم عن أن يكون برًّا، لأن الإفطار قد يكون أبر من الصوم، إذا كان للتقوى على لقاء العدو مثلًا، وهو نظير قوله - صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين بالطواف» فإنه لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة، الذي لا يجد غناء يغنيه، ويستحي أن يسأل، ولا يفطن له، انتهى. وفيه بعض تلخيص.
ولا يخفى ضعف هذا المسلك، الذي سلكه الطحاوي في هذا الموضع، وقد شنع ابن حزم في شرح المحلى على قائل ذلك، وقال: هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفاعل هذا يتبوأ مقعده من النار، بنص قوله عليه السلام، وليس إذا وجد نص قد جاء نص آخر، أو إجماع بإخراجه عن ظاهره، وجب أن يبطل جميع النصوص، وتخرج عن ظاهرها، ويقال له: إذا قلت هذا، فقله أيضًا في قوله الله ـ تبارك وتعالى ـ: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} [البقرة: 177] ولا فرق. انتهى.
وقول الحافظ - رحمه الله -، في حديث أبي سعيد: أنه نص في المسألة، من العجب، لأن أبا سعيد لم يذكر أن ذلك الصيام الذي فعلوه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد النهي كان في رمضان، فهو محتمل لأن يكون صيام تطوع.
وقوله: ومنه يؤخذ الجواب عن نسبته - صلى الله عليه وسلم - الصائمين إلى العصيان، لأنه عزم عليهم فخالفوه، وهو شاهد لما قلناه، من أن الفطر أفضل لمن يشق عليه، فأي شاهد في قوله «أولئك العصاة» في أن الفطر أفضل من الصيام، والصيام جائز لكن الفطر أفضل، وهو صريح في أنهم عصاة لله ورسوله حين صاموا، وقد نهاهم عن ذلك وأمرهم بالفطر.
والمقصود: أن القائلين باستحباب الصيام ليس معهم حجة صحيحة أصلًا، بل الأدلة الدالة على النهي عنه أظهر، وغاية الأدلة أن تدل على الجواز، وهو المشهور في مذهب أحمد وغيره، وأما الاستحباب فبعيد جدًّا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وأجاب أيضًا: أما جواز الإفطار في رمضان، فيجوز الصيام والإفطار، وصام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأفطر في السفر.