ج- المسألة عندي فيها إشكال، لأنني، إذا نظرت إلى مجرد خبر المذيع، وأنه يُخبر عن ثبوت هذا الخبر الديني فالمذيع في الغالب مجهولة حالته من عدالة وغيرها، وتَثبُّت أو تَسَرُّع، وهذا مما يوقف عن الجزم بالإعتماد عليه. وإن نظرت إلى المذيع من محطة بجدة أو مكة، عليه مراقبة شديدة، ولا يجسر على مثل هذا الخبر إلا بعد ثبوته عند الحكومة ثبوتًا رسميًا، قرّبْت خبره من خبر البرقية، فعلى هذا أما القرينة والاحتياط إذا أمكن فهو اللازم. والجزم بأحد الأمرين: أتوقف فيه. وربما فيما يستقبل تعمل الحكومة عملًا للمحالّ التي لا برقية فيها، يتمكنون بها من الجزم بخبره.
س5 - هل يُعمل بالبرقية وأصوات المدافع والبواريد في ثبوت الصوم والفطر؟
ج- لاريب أن كل أمر مهم عمومي، يراد إعلانه وإشاعته والإخبار به على وجه السرعة والتعميم يُسْلَك فيه طريق يحصل به المقصود، فتارة يُنادى فيه على وجه التصريح، أو الإجمال القولي، وتارة يُعَبَّر عنه بأصوات عالية كالرمي ونحوه مما له نُفوذ وسريان إلى المحال والأماكن البعيدة، وتارة بالبرقيات
المتنوعة. ولم يزل الناس على هذا يُعَبِّرُون ويُخبِرون عن مثل هذه الأمور بأسرع وسيلة يتعمّم ويشيع فيها الخبر على هذا المعنى مجتمعون، وبالعمل في الأمور الدينية والدنيوية مُتَّفِقُون: وكلما تجَّدد لهم وسيلة أسرع وأنجح مما قبْلها أسرعوا إليها. وقد أقرهم الشارع على هذا الجنس والنوع، ووردت أدلة وأصول في الشريعة تدل عليه. فكل ما دل على الحق والصدق والخبر الصحيح مما فيه نفع للناس في أمور دينهم ودنياهم، فإن الشارع يُقرُّه ويقبله، ويأمر به أحيانًا، بحسب ما يؤدي إليه المصلحة. فالشارع لا يرد خبرًا صحيحًا بأي طريق وصل، ولا ينفي حقًا وصدقًا بأي وسيلة ودلالة اتصل، وخصوصًا إذا استفاض ذلك واحتفَّت به القرائن المتنوعة. فاستمسك بهذا الأصل الكبير، فإنه نافع في مسائل كثيرة، ويمكنك إذا فهمتَه أن تُطبّق عليه كثيرًا من الأفراد والجزئيات الواقعة، والتي لا تزال تقع، ولا يَقْصُرْ فهمك عنه، فيفوتك خير كثير. ورما ظننت كثيرًا من الأشياء بدعًا محرمة إذا كانت حادثة ولم تجد لها تصريحًا في كلام الشارع، فتُخالِف بذلك الشرع والعقل، وما فُطر عليه الناس.
فصل: فإذا فهمت هذا الأصل، فقد علم وتقرَّر أن الناس في كل قُطر وبلد يجْرون في أمورهم على الأحكام الشرعية في صومهم وفِطرهم وعباداتهم، وعندهم حاكم شرعي، فإنه متى ثبت عنده بالطريق الشرعي وجوب الصوم والفطر فإنه في الغالب لا يطّلِعُ على مستند هذا الحاكم الشرعي إلاَّ من باشره من قاض ومباشر للقصة، ومن حضرها، وأما سواهم من أهل البلد، فضلًا عن أهل القُطر، فضلًا عن بقية الأقطار، فإنما يصل إليهم الخبر بما يثبت به ذلك الخبر ويُشاع، من قالةٍ يتناقلونه. أو نداء في الأمكنة المرتفعة وغيرها، أو رَمْى بمدافع ونحوها، أو ببرقيات، ليصل الخبرُ إلى القريب والبعيد، فهذا عمل متصل جنسه في جميع قُرون الأمة من غير نكير، وإن كان بعض أفراده لم تحدث إلاَّ من قريب، كالبرقيات ونحوها فعُلِم أن الأمة مُجْمِعَةٌ على العمل بهذا النوع من الأدلة المعتادة.
وما يدلُّ على ذلك أن الاستفاضة في الأخبار من جملة الطُرق الشرعية التي تُفيد صدق مخبرها، حتى إن الفقهاء رحمهم الله جعلوا شهادة الشهود تارة تستند إلى ما يراه الشاهد ويسمعه من المشهود عليه، وتارة على ما يسمعه من أخبار الاستفاضة، فيشهد بما استفاض مستندًا على الاستفاضة، وقد ذكروا لذلك أمثلة كثيرة.
ومن المعلوم أن الاستفاضة الحاصلة من رَمْي المدافع ونحوه والبرقيات ونحوها، أبلغ بكثير من الاستفاضات المفيدة للعلم. خصوصًا وقد أيَّد ذلك شاهد الحال، واحتفَّت به القرائن الكثيرة التي تدلَّ دلالة يقينة على ثبوت ذلك الخبر، وكذلك العادة المُطَّرِدَة، والعُرْفُ المستقرّ الذي جرى عليه الناس في بَثِّ هذه الأخبار، مع قرينة تَشَوُّف الناس والاشتباه في الوقت، مع أن الإخبار بالرَّمي والبرق ونحوها من الأمور الرسمية التي لا يجرُؤ عليها أحد من العامة، إلاَّ عن طريق أمر الحكام وأولياء الأمور وإذنهم، فمتى عرفت الواقع، لم يبق عندك في ذلك الخبر شك، وعرفت أنه خبر يفيد العلم، وإذا كانت أخبار الآحاد إذا احْتَفتْ بها القرائن، أفادت العلم، فكيف بمثل هذه الأخبار المستفيضة المؤيدة من الحكام الشرعيين؟!