فهرس الكتاب
ومما يدل على ذلك من الأصول الشرعية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدِمَ المدينة، وتشاور المسلمون في تعيين أمر يعرفون به الوقت والحضور للصلوات الخمس في أوقاتها، فمنهم من أشار بالبُوق، ومنهم من أشار بالناقوس، ومنهم من أشار بإيقاد النار، ومنهم من أشار ببعث من ينادي للصلاة والحُضور إليها. فاختار الله هذا الأذان المبارك الذي لا تُعدُّ خيراته ومصالحه، ولله الحمد، والمقصود أنهم اتَّفقوا على أن هذه الأشياء التي ذكروها متى اتفق الناس على واحد منها، أفادتهم العلم بدخول الوقت، وبعضها أصوات تسمع، وبعضها نار تُشاهد. . . فَعُلِمَ أنه قد تقرر عندهم حصول المقصود بها، ولكن. هم يبحثون أيها أنسب؟
ومثل هذا لا يخفى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلو كانت هذه الأمور ونحوها لا يحصُل بها العلم المطلوب الإعلام به، لأخبرهم بذلك، ولما أقرهم على هذا البحث.
ونفسُ الأذان الذي اختاره الله للمسلمين لمعرفة دخول الوقت، هو من هذا القبيل، فإن المؤذنين ينادون في أوقات الصلاة بألفاظ الأذان، وهي ثناء على الله، وشهادة له بالتوحيد، ودعاء مُطلق للصلاة والفلاح، فيكون هذا كالتصريح بقولهم: دخل الوقت. ومسألة رمي المدافع وإرسال البرقيات المعتمدة في الخبر عن ثُبوت الأشهر، من هذا الجنس، وهي بسبب تحريرها والعناية التامة بها أقرب إلى الصواب، لأنها لا تكون إلاَّ بعد الثبوت والتَّروي من الخبر الذي لا ترُّددَ فيه، وبعد أن يعتمد عليها وُلاة الأمر وحكام الشرع، فالتحقيق بها أتم، والغلط فيها أبعد.
ويؤيد هذا أن من قواعد الشريعة أن ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب، وما يحصل المأمور أو لا يتم إلاَّ به فهو مأمور، وهذه الأمور متى ثبتت عند أولياء الأمر، تَعَيَّن عليهم أن يخُبروا بها الناس ويبُّثوها بينهم، بحسب قدرتهم بأسرع وقت يمكن، ليصوموا، ويُفطروا، ويُصلُّوا، ويقيموا الأمور الشرعية.
ومن المعلوم أن الرَّمْي، وإرسال البرقيات، أبلغ من مجرد نداء المُصوتين بثبوت الشهر، ويشيع الخبرُ بها بأسرع وقت. فأقل الحالات فيها أنها مستحبَّة، والقاعدة الشرعية تقتضي وجوبها مع القدرة عليها، إذا تباعدت الأقطار، ولم يحصل المقصود إلاَّ بها.
هذا من جهتها في نفسها، وأما المبلغون المخبرون بها، فإنه يتعين عليهم العمل بمضمون ما دلت عليه، من الصيام، والفطر، ودخول الأوقات وغيرها. ومما يدل على ذلك أن مقصود الإخبار بالرَّمي والإبراق ونحوه هو ترجمة وتعبير عما تقرر عليه الأمر عند أهل الحكم الشرعي، وهي ترجمة يفهمها كل أحد، لأنها تعبير عن أمر يتفق عليه أولو الأمر والحكام على الناس، ويعرفه الناس معرفة لا يشكون فيها، وفي المراد منها. وما كان هكذا فالشريعة لا ترده، بل تقبله، وتأمره به عند تيسرِه، والترجمة التي يحصُل به العلم، لم يزل العمل بها، على أي طريقة وصِفَة كانت. ويدل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بالتبليغ عنه وتبليغ شرعه، وحث على ذلك بكل وسيلة وطريقة.
والتبليغ أنواع متعددة، فتارة تبليغ ألفاظ الكتاب والسنة، وتارة تبليغ معانيها، وتارة تبليغ الأحكام الثابتة شرعًا ليصل علمها إلى الناس، فيتمكنون من العمل بما شرعه الله. والإخبار بالرَّمي والإبراق، من هذا النوع، فإنه إذا ثبت بالطرق الشرعية وجوب الصيام والفِطر على الناس، أو وجب شريعة من الشرائع، تعين على وُلاة الأمر تبليغ الناس بأسرع ما يقدرون عليه، ليقوم الناس بما أمر الله به ورسوله في الصيام، والفطر، والصلاة، وغيرها، وكلما كان الطريق للتبليغ به أقوى وأسرع أو أشمل، كان أولى من غيره، وكان داخلًا في تبليغ الأحكام الشرعية، فدخل في هذا تبليغهم بجميع المُقَرّبات وبذلك يُعْلَمْ حكم إيصال أصوات المبلغين عن الشارع من الخطباء والوعاظ وغيرهم بالآلات الموصلة للأصوات إلى مسامع الخلق.
وهذه المسألة أوضح من أن يُحْتَجَّ لها، لكن لمَّا حصل الاشتباه فيها على كثير من الناس احتيج إلى بيان الأصول الشرعية التي أخذت منها.
ومما يؤيد ذلك، ويوضحه، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أكبر واجبات الدين، ومن أعظم ما يدخل في ذلك أنه إذا ثبتت الأحكام الشرعية التي يتوقف عملُ الناس بها على بلوغ الخبر، فإنه يتعين على القادرين إيصالها إلى الناس بأسرع طريق وأحسن وسيلة يتمكَّنون بها من أداء الواجبات، وتَوَقَّي المحرمات. ولا يشك أحد أن إشاعة الأحكام وتعميمها إذا ثبتت بالأصوات والرَّمي وما هو أبعد مدى منه وأبلغ انتشارًا، مما يدخل في هذا الأصل الكبير.