فهرس الكتاب
ومما يدل على ذلك أن صُدور هذه الأخبار بالإبراق ونحوه، تقع محررة منقحة يندر جدًّا وقوع الخطأ والغلط فيها، فضلًا عن التعمُّد ومخالفة ما ثبت عند ولاة الأمر. والناس قد عرفوا واصطلحوا أنها إذا حصلت، فإنها لا تصدر إلَّا بعد عرضها على الحُكَّام الشرعيين وتنقيحها وثبوتها ثبوتًا لا تردُّد فيه، وأنها أبلغ من شهادة الشهود التي تحتمل السهو والغلط أكثر من هذا، وهذه الأشياء لا يمكن التَّقَوُّل أو الافتئات فيها على ولاة الأمر. وإذا كان الناس يعتمدونها في أمور دينهم ودنياهم، كالولايات، والوكالات في النكاح، والعقود، والمواريث وموت الأزواج، ويُثبتون مُقتضى ذلك من العدة، والإحداد، والميراث وغير ذلك، وكإخراج الزكاة، والكفارات، وكالحوالات، وتنقل من محل إلى محل، ونحو ذلك مما لا يحصى، فما المانع من قبولها في ثبوت الأشهر، والصيام، والفطر، ونحوها.
وهي في هذه الحالة قد احْتَفتَّ بها من القرائن والمحققات والضبط والتحرير ما لا يوجد في غيرها، خصوصًا الصادرة في مقر الحاكم الشرعي، وهذا واضح، ولله الحمد.
فالشارع لا يرد خبرًا صادقًا، لا ينفي طريقًا يحصل به الثبوت، ولا يُفرق بين المتماثلات، وإنما يتوقف في خبر المجهول ومن لا يوثق بخبره، أو من محل لا حاكم فيه، فهذا النوع يجب التثبُّت في خبره.
والحاصل أن إيصال الأخبار الرَّمْي والبرقيات ونحوها مما يوصَّل الخبر إلى الأماكن البعيدة، هو عبارة وتعبير عما اتفق عليه ولاة الأمر، وثبت عندهم مُقتضاه، وهو من الطُّرق التي لا يرتاب الناس فيها ولا يحصُل لهم أدنى شك في ثُبوت خبرها. ومن توقف فيها في بعض الأمور الشرعية، لم يتوقف لِشَكّه في أنها أفادت العلم، وإنما ذلك لظنه أن هذا الطريق المعين لم يكن من الطرق المعتادة في الزمان الأول، وهذا لا يوجب التوقُّف. فكم من أمور حدثت لم يكن لها في الزمان الأول وُجود، وصارت أولى وأحقَّ بالدٌّخول من كثير من الأمور الموجودة قبل ذلك. والله أعلم.
س6 - المذهب وُجوب صوم الثلاثين من شعبان، إذا كان غيم أو قتر، فهل هو صحيح عندكم؟
ج- المسألة فيها خلاف في المذهب وغيره.
والصحيح من الأقوال الذي تدلُّ عليه الأدلة الصحيحة، إنه لا يُصام يوم الثلاثين من شعبان في الغيم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه قال: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» وهذا صريح، يرجع إليه الحديث الآخر: «فإن غُمَّ عليكم، فأقدروا له»
ومع ذلك فالصيام ليس بمحرم، بل هو جائز، ولكن الفطر أرجح وأقرب للأدلة الشرعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.
س7 - إذا ترك التماس هلال شهر رمضان ليلة الثلاثين من شعبان، لتهاون أو غيره، ثم قامت البينة في أثناء النهار، فهل يلزمه القضاء، على اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؟
ج- لا فرق عند الشيخ بين هذا وبين غيره، فالذي تسبب وحرص على التماس هلاله وغيره، حكمهم واحد.
س8 - إذا صام أول يوم من رمضان، ثم جاءه من شككه في أنه لم يثبت، وإنما هو شكّ، فأفطر، فهل عليه كفّارة؟
ج- نهاية ما عليه: قضاء ذلك اليوم. وأما الكفارة، فلا كفارة عليه في هذا الإفطار، إلاَّ أن يكون قد وَطِيء زوجته ذلك اليوم، فإنه يكون عليه كفارة ظهار، على المذهب. وعلى القول الصحيح: لا كفارة على الناسي والجاهل، خصوصًا هذا المغرور. والله أعلم.
س9 - إذا صام يوم الاثنين أو الخميس، وله عادة بذلك، وقد وافق يوم الشك، ونوى إن كان من رمضان فهو فرض، فهل يجزئه إن بان منه؟
ج- قد ذكر أصحابنا ـ رحمهم الله ـ أن صوم الشك يجزئ إذا ظهر من رمضان، إذا كان غيم ونحوه. وأما من غير مانع فلا يجوِّزون هذا التعليق، سواء قال ذلك من يصوم النفل، أو من هو مُفطِر، بأن قال: إن كان غدًا من رمضان، فأنا صائم، و إلاَّ فأنا مفطر في أوله.
ويقولون: إنه لم يُبْنَ على أصل، بخلاف نِيّته في آخر الشهر، فإنه بان على أصل.
وعلى أصل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن الأحكام لا تلزم إلاَّ ببلوغها للمكَلَّف. فمثل هذا، وما هو أشد منه، لا يلزمه أن يصوم هذا اليوم الذي ثبت بعد ذلك انه من رمضان. وأنا أختار ما قاله الشيخ - رحمه الله -؛ لأنه ثبت في الصحيح، العَفْوُ عن الناسي إذا فعل المفطرات؛ فالمخطئ شبيه بالناسي، بل جعل الشارع حكم الناسي والمخطئ واحدًا في العفو والسماح. والله أعلم.
س10 - إذا رأت الحامِلُ الدّمَ في رمضان، وصامت فما الحكم؟
ج- هذا مبنيّ على أن الدم الذي يأتي المرأة الحامل، دم فساد، كما هو المشهور في المذهب. فعليه: لا تُفطِر، بل يجب عليها الصلاة والصيام، أو هو حيض، كما هو في الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهي الصحيحة، فيكون حيضًا، تترك له الصلاة والصيام، فإن صامت قضتْ. وهذا هو المختار. والله أعلم.
س11 - قولهم من نوى الإفطار أفطر، هل هو وجيه؟