فهرس الكتاب
ج- نعم هو وجيه. وذلك أن الصيام مركّب من حقيقتين: النيَّة، وترك جميع المفطرات، فإذا نوى الإفطار فقد اخْتَلَّت الحقيقة الأولى، وهي أعظم مُقَوِّماتِ العبادة، فالأعمال كلها لا تقوم إلَّا بها.
ومعنى قولهم: أفطر: أنه حُكِم له بعدم الصيام، لا بمنزلة الآكل والشارب، كما فسروا مرادهم.
ولذلك لو نوى الإفطار وهو في نفل، ثم بعد ذلك أراد أن ينوي الصيام قبل أن يُحدث شيئًا من المفطرات، جاز له ذلك، ولكن أجره وصيامه المُثاب عليه من وقت نيته فقط.
وإن كان الذي نوى الإفطار في فرض، فإن ذلك اليوم لا يجزئه، ولو أعاد النية قبل أن يفعل مفطرًا؛ لأن الفرض شرطُه أن النية تشمل جميعه من طلوع
فجْره إلى غُروب شمسه، بخلاف النفل.
وها هنا فائدة يحسن التنبيه عليها، وهي أن قطع نية العبادة نوعان:
نوع لا يضرُّه شيء، وذلك بعد كمال العبادة. فلو نوى قطع الصلاة بعد فراغها، أو الصيام، أو الزكاة، أو الحج، أو غيرها بعد الفراغ، لم يضرّه، لأنها وقعت وحَلّت محلها. ومثلها لو نوى قطع نية طهارة الحدث الأكبر أو الأصغر، بعد فراغه من طهارته، لم تنتقِض طهارته.
والنوع الثاني: قطع نية العبادة في حال تَلبُّسه بها، كقطعه نية الصلاة وهو فيها، والصيام وهو فيه، أو الطهارة وهو فيها. فهذا لا تصحّ عبادته.
ومتى عرفت الفرق بين الأمرين، زال عنك الإشكال.
س12 - إذا استاك وهو صائم، فوجد حرارة أو غيرها من طعمه فبلعه، فهل يضرُّه وإذا أخرجه من فمه، وعليه ريق، ثم أعاده وبلعه، فهل يضره؟
ج- لا يضرُّه في الصورتين، كما نصّ عليه الأصحاب في الأخيرة، وهو ظاهر كلامهم في الأولى، والأمر بالسّواك للصائم وإباحته يشمل ذلك كله، فلا بأس به إن شاء الله.
س3 - إذا تسحّر بليل، ونوى الصيام ثم عرض له أن يأكل ويشرب بعد ذلك، قبل الفجر، فهل يجوز؟
ج- نعم، له ذلك، فإن الله ـ تعالى ـ قال {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} .
ولم يفرّق بين من نوَى اللزوم قبل الفجر، وبين من لم يَنْوِ، ونيته في أثناء الليل أن يصوم ويترك جميع المفطرات: لا يُحسب له الصوم الشرعي إلاَّ من طلوع الفجر، فإنهم قالوا في تعريف الصوم: إنه الإمساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهذا لا خلاف فيه.
وليست نيّته ترك الطعام ونحوه قبل الفجر بمحرّم عليه، بل يجوز له الأكل والشرب والجماع في هذه الحال، حتى يطلع الفجر.
1 -باب صوم التطوع.
س1 - إذا صام ستة أيام من شوال في ذي القعدة، فهل يحصل له الأجر الخاص بها؟
ج- أما إن كان له عُذر من مرض أو حيْض أو نفاس أو نحو ذلك من الأعذار التي بسببها أخَّر صيام قضائه، أو أخَّر صيام الست، فلا شك في إدراك الأجر الخاص. وقد نصُّوا على ذلك.
وأما إذا لم يكن له عُذر أصلًا، بل أخَّر صيامها إلى ذي القعدة أو غيره، فظاهر النص يدل على أنه لا يدرك الفضل الخاص، وأنه سُنّة في وقت فات محلّه، كما إذا فاته صيام عشر ذي الحجة أو غيرها، حتى فات وقتها، فقد زال ذلك المعنى الخاص، وبقى الصيام المطلق.
س2 - ما الحكمة في إباحة الصوم في أيام التشريق للمتمتع و القارن، مع عدم الهدى؟
ج- يستفاد من إباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - الصيام أيام التشريق للمتمتع والقارن، الذي لم يجد الهَدْي، دون قضاء رمضان، مع أنه أكمل وأعظم - فائدتان:
إحداهما: أن الوقت إذا كان متسعًا للواجب الأعلى، متعيّنًا للواجب الأدنى، أنه من مُرجّحات المفضول على الفاضل.
وفائدة أخرى:
أنه إذا تعارض واجب ومحرم، تعيَّن تقديم الواجب، وبهذه الحال لا يصير حرامًا في حق المؤدِّي للواجب.
كما يجب على المتمتع الحَلْقُ إذا فرغ من عُمرته، بعد دخول ذي الحجة.
ويحرم على المُضَحِّي أخْذُ شيء من شعره، فهذا لا يدخل في المحرم. والله أعلم.
2 -باب الاعتكاف.
س1 - إذا نذَر الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، فهل يكره الوفاء بنذره؟
ج- إن كان يحتاجِ إلى شَدَّ رَحْلِ، فلا يجوز، كما صحّ في الحديث: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلاَّ إلى ثَلاَثةِ مَسَاجِدَ» . فكل موضع، مسجد أو غيره، عَيَّنَهُ لعبادة اعتكاف أو غيره، وهو يحتاج إلى شدّ رَحْل، فإنه لا يجوز، وإن كان بعض الأصحاب كالموفَّق وغيره أجاز ذلك.
فالذي عليه المحققون: هو ما دلّ عليه الحديث من المنع، وإن كان لا يحتاج إلى شد رحل.
فإن كان الذي عَيُّنَهُ تُقام فيه الجمعة، وهو يتخلّل اعتكافه جمعة، لم يعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة، لأنه يأتي بأقل مما وجب عليه.
وإن كان المسجدان سواء في إقامة الجمعة، أو عدمها، فهو مُخيّر.
وإن شاء وَفَى بما نذره، وإن شاء في الآخر، كما ذكر هذا الأصحاب، ـ رحمهم الله تعالى ـ.
س2 - إذا شرط في اعتكافه شيئًا مما له منه بد، فهل تكفي نِيَّتُه، أم لا بد من نُطقه؟
ج- نِيّتُه كافية عن نُطقه، كما هو الأصل في كل العبادات، إلا الاشتراط في الحج، فلا بد من نُطقه فيه. والله أعلم.