فهرس الكتاب
ج- يحرم على كل مسلم مكلف قادر تناول مفطرٍ من غيرعذر في نهار شهررمضان لما روى أبو هريرة سدد خطاكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صومه الدهرَ كله إن صامه» رواه الأربعة وصححه إبن خزيمة وأخرجه البيهقي. فَمِمَّا يحرم على الصائم الأكل والشرب بعدما تبين الفجر الثاني، لقوله ـ تعالى ـ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ومن المفطرات القيء عمدًا ويفسد به الصوم و يقضيه. ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه، لما ورد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه ومن استقاء فعليه القضاء» رواه الخمسة وأعله أحمد وقواه الدارقطني. ومما يفطر الصائم الحجامة سواءً كان حاجمًا أو محجومًا، لما روى شداد بن أوس سدد خطاكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان. وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم» رواه أحمد والترمذي، وعن ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل يحتجم في رمضان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم. ومما يحرم على الصائم ويبطل به الصيام الجماع والمباشرة إذا أمنى، لقوله ـ تعالى ـ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} إلى قوله: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وأما الاكتحال والتداوي والاحتقان ومداواة المأمومة والجائفة وسائر الجروح والاستعاط. فقيل: هذه الأشياء تفطر إذا علم وصولها الجوف والحلق، لقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» . وهذا يدل على أنه يفسد الصوم إذا بالغ فيه بحيث يدخل إلى خياشيمه أو دماغه. وقيس عليه ما وصل إلى جوفه. وروى أبو داود والبخاري في تاريخه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بالإثمد المتروح وقال: «ليتقه الصائم» وقيل: إن هذه لا تفطر لأنه لم يرد فيها دليل صحيح ولا هي في معنى الأكل والشرب. قال في مجموع الفتاوى في (ج 25) وأما الكحل والحقنة وما يقطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة فهذا مما تنازع فيه أهل العلم. والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسندا ولا مرسلا علم أن لم يذكر شيئًا من ذلك. والحديث المروي في الكحل ضعيف، رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب المعتمدة. والذين قالوا إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة لم يكن معهم حجة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس. وأقوى ما احتجوا به قوله: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه. وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يجز إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة. انتهى باختصار. (وأما الإبرة) فهي تنقسم إلى قسمين: إبرة دوائية وإبرة غذائية لإيصال الأغذية بالإبرة حَقْنًا في الدم أو شربا أو إيصالها إلى الجوف بأي طريق فلا شك في فطره بها لأنها في معنى الأكل والشرب من غير فرق. وأما إيصال الدواء بالإبرة فعلى القول الأول يفطر وعلى ما اختاره الشيخ تقي الدين فالذي يظهر لي أنها لا تفطر والذي تطمئن إليه النفس تجنبها (وأما الحبوب) فلا شك أنها تفطر الدوائية والمقوية والمشتركة بين الغذاء والدواء. وقال بعض المنتسبين للعلم من متعاطي كتب الطب للمطالعة بها والاسترشاد من حسنها: الإبرة قسمان: قسم يؤخذ كغذاء كالجلوكوز (سكر العنب) ويلحق بها الفيتامينات لأنها تؤخذ عن نقص في الغذاء كمن يفقد مادة أساسية، إما لعدم حصوله عليها، وإما لمانع في بدنه يمنعه من امتصاص خلاصة هذا الغذاء الذي يحتوي على الفيتامينات فإنه يعطى الفيتامين الذي فقده بدنه كتكملة للغذاء. فهذا القسم الذي هو الفيتامينات والجلوكوز لا شك في تفطيرهما للصائم.