الصفحة 128 من 214

ج- يجوز لمن جامع بالليل أن لا يغتسل حتى يَطلُعَ الفجر وصومه صحيح لما ورد عن عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقالت: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وعن عائشة وأم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يصبح جنبًا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان» متفق عليه. وعن أم سلمة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبًا من جماع لا حلم ثم يفطر ولا يقضي» أخرجاه. لكن يستحب لمن لزمه الغسل ليلًا من جنب وحائض ونفساء انقطع دمهما وكافر أسلم أن يغتسل قبل طلوع الفجر الثاني، وإذا طلع وهو مجامعٌ فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة. وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة لأنه وطء لم يصادف صومًا فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية ثم جامع. ووجه الأول أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطيء بعد طلوع الفجر. وأما إذا نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فعليه القضاء والكفارة على الصحيح من المذهب، لأن النزع جماع يتلذذ به أشبه الإيلاج. وقال أبو حفص: لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه ترك للجماع فلا يتعلق بما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها فخرج منها. وقال مالك يبطل صومه ولا كفارة عليه لأنه لا يقدر على أكثر مما فعله من ترك الجماع فأشبه المكره. وقال في شرح أصول الأحكام وقال ابن القيم: مَن طلع عليه الفجر وهو مجامع فالواجب عليه النزع عينًا، ويحرم عليه استدامة الجماع واللبث، ولا شيء عليه، اختاره شيخنا وهو الصواب والحكم في حقه وجوب النزع والمفسدة في حركة النزع مفسدة مغمورة في مصلحة إقلاعه ونزعه وإن استدام فعليه القضاء والكفارة وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم لأنه جماع في شهر رمضان باختيار فلا فرق بين ابتدائه ودوامه ولو أراد أن يأكل أو يشرب مَن وجب عليه الصوم وجب على مَن رآه إعلامُه، لأنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يفطر إن فعل شيئًا ناسيًا أو مكروهًا، وبه قال عليّ وابن عمر لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» متفق عليه، وللحاكم: مَن أفطر في رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة، ولقوله: «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» ومَن أفطر يظن أن الشمس قد غربت ولم يتبين له أنها لم تغرب لم يفسد صومه فلا قضاء لأنه لم يوجد يقين يزيل ذلك الظن كما لو صلى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد الصلاة ومَن طار إلى حلقه ذباب أو غبار من غير قصد لم يفطر وكذا مَن قطر في إحليله لا يفطر لعدم المنفذ، وإذا احتلم وهو صائم أو أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المنيُّ أو المذي لمرض لم يفطر وإنما تمضمض أو استنشق فوصل إلى حلقه ماء فلم يبطل صومه لأنه وصل بغير اختياره أشبه الذباب الداخل حلقه فأما إن زاد على ثلاث أو بالغ فدخل الماء حلقه فعلى وجهين «أحدهما» لا يفطر لأنه وصل من غير قصد. و «الثاني» يفطر لأنه فعل مكروها تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه الإنزال بالمباشرة لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المبالغة فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنهي عن المبالغة معنى، وأما إذا كرر النظر فأنزل فقيل إنه يفطر وبه قال عطاء والحسن ومالك لأنه إنزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه أشبه الإنزال باللمس والفكر لا يمكن التحرز منه بخلاف النظر فلو أنزل مذيًا لم يفطر على المذهب وإن صرف بصره لم يفسد صومه أنزل أو لم ينزل، وقال جابر بن زيد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر لا يفسد، لأنه عن غير مُباشرة أشبه الإنزال بالفكر، وكما لو نام فاحتلم وهذا القول قوي جدًا فيما أرى.

س19 - تكلم عن أحكام ما يلي: مَن شكَّ في طلوع فجر ثاني؟ مَن أكل مُتعقدًا أنه ليل فبان نهارًا؟ من أصبح وفي فيه طعام فلفظه؟ من أكره على الأكل أو صُبَّ في حلقه ماء ونحوه مكرهًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت