يقول الله ـ تعالى ـ آمرًا هذه الأمة بالصيام. وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، بنية خالصة لله - عز وجل - لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيهم أسوة وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال ـ تعالى ـ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} الآية. . . ولهذا قال ههنا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لأن الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان وهذا ثبت في الصحيحين: 194 «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» .
كان الصيام في ابتداء الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان وعن معاذ وابن مسعود وغيرهما: إن هذا الصيام لم يزل مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها. ثم بيَّن حكم الصيام على من كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي المريض والمسافر لا يصومان بل يفطران ويقضيان بعدَّة ذلك أيامًا أخر، وأما الصحيح المقيم إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا. والصيام أفضل من الإطعام قاله ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من السلف؛ وذلك لقوله ـ تعالى ـ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ثم أنزل الله ـ تعالى ـ الآية الأخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام. وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لمَّا نزلت {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وروى أيضًا عن ابن عمر أنها منسوخة، وروى البخاري عن ابن عباس أنها ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير المرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وأما الشيخ الفاني الهرم ففيه قولان. والصحيح منهما الإفطار، ويجب عليه فدية عن كل يوم. وفي صحيح البخاري: فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر. رواه البخاري مُعَلِّقًا. وقد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده. ويلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما.
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
يمدح الله ـ تعالى ـ شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم. وقد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء. روى الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال 195 «أُنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لِسِتٍّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» [1]
(1) قال الله ـ تعالى ـ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال «التمسوها في العشر الأخير من رمضان» ، وفي حديث آخر قال «التمسوها في الآحاد» ، وفي حديث آخر «في السابع والعشرين من رمضان» فأما قوله في هذه الرواية أعلاه: وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان هو مخالف لنص القرآن {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} .
مما يدل على ضعف هذا الحديث لمخالفة نصه القرآن، لأن ليلة القدر كانت في ليلة السابع والعشرين من رمضان والله ـ تعالى ـ أعلم وهو الموفق للصواب.