وأما الصحف و التوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه، جملة واحدة وأما القرآن فنزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه كما قال ـ تعالى ـ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ثم نزل بَعْدُ مُفَرَّقًا بحسب الوقائع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء ولا يجيء المشركون بمَثَل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه وذلك قوله: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ? وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} وقوله ـ تعالى ـ: {هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} وهذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدىً لقلوب العباد مِمَّن آمن به وصدَّقه واتَّبعه.
{وَبَيِّنَاتٍ} أي ودلائل على صحة ما جاء به من الهدى والرشاد مُفَرِّقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام. وقوله ـ تعالى ـ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} هذا إيجاب حَتْمٌ على من شهد استهلال الشهر، أي كان مقيمًا في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما قدم بيانه. ولما ختم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار بشرط القضاء فقال: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي ومن كان به مرض يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه أو كان على سفر فله أن يفطر وعليه عدة ما أفطر ولهذا قال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} أي إنما رَخَّصَ بالفطر في حال المرض والسفر مع تَحَتُّمُهِ في حق المقيم الصحيح تيسيرًا عليكم ورحمةً بكم.
وها هنا مسائل: الأولى: زَعْمُ بعضهم أنه لا يباح الإفطار إلا لمن استهل الشهر مسافرًا لا لمن كان مقيمًا أول الشهر ثم سافر أثناءه؛ لقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ولكن هذا مردود؛ إذ لا دليل في الآية على زعمهم لأنه ثبت في الصحيحين 196 «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا بلغ الكديد لمَّا خرج لغزوة الفتح في رمضان أفطر وأمر الناس بالفطر» .
الثانية: وقال آخرون بوجوب الإفطار في السفر؛ لقوله: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} وهذا خلاف ما ثبت من فعله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي الدرداء قال: 197 «خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان في حَرٍّ شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبد الله ابن رواحة» .
الثالثة: وقال آخرون: الصيام أفضل، وقال جماعة: بل الإفطار أفضل أخذًا بالرخصة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - 188 «عليكم برخصة الله التي رَخَّص لكم» .
وقيل: إن شَقَّ الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر: 199 «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا قد ظُلِّل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. فقال: ليس من البِرِّ الصيام في السفر» أخرجاه.
والصحيح قول الجمهور أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بِحَتْمٍ؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شهر رمضان. قال 200 «فَمِنَّا الصائم، ومِنَّا المفطر فلم يَعبِ الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» .
فأمَّا إن رغب عن السنَّة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام لما جاء في مسند أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر: 201 «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبل عرفة» .